بقلم / سمير سيد عثمان
تخوض بلادنا مرحلة مصيرية تستدعي حشد كل الإمكانيات والخبرات لإعادة بناء ما دُمّر من أساسنا الصناعي ،، خاصة في ولايتي الخرطوم والجزيرة ..
وإزاء هذا التحدي الوطني الكبير ،، تبرز الحاجة الماسة إلى آلية تمويل ذكية ومحترفة تقود عملية إعادة الإعمار بفعالية وتبصر ..
هنا يصبح من الضروري التوجه نحو الكيانات التي أثبتت جدارتها عملياً في إدارة المشاريع التنموية المعقدة ..
وفي طليعة هذه الكيانات المؤهلة يأتي مصرف التنمية الصناعية ،، بحكم تراكم خبراته الناجحة في إدارة المحافظ المتخصصة ،، وامتلاكه سجلاً حافلاً بالإنجازات التي شكلت مسيرة العمل المصرفي والتمويلي ..
وفي عمق هذه المسيرة الحافلة ،، يبرز النموذج الأكثر قرباً وإلهاماً لمهمتنا الراهنة ،، وهو الإدارة المحكمة لمحفظة الزيوت النباتية ،، التي حظيت بإشادة وتقدير بنك السودان المركزي لدورها الريادي في استقرار أسعار السلع الإستراتيجية وتحقيق الاكتفاء الذاتي ..
فقد نجحت هذه المحفظة في توطين صناعة الزيوت بالبلاد ،، وتثبيت أسعارها في السوق المحلي ،، وتوفير مبالغ ضخمة من النقد الأجنبي كانت تُصرف سنوياً على الاستيراد ،، محققة بذلك إحلالاً حقيقياً للواردات ..
إنها ليست مجرد تجربة ناجحة حظيت بمباركة المؤسسة الرقابية العليا ،، بل دليل عملي لا نظري على قدرة المصرف الفائقة على إدارة المحافظ التمويلية المعقدة وتحقيق أهدافها التنموية الكبرى ..
هذه الخبرة المتراكمة في توطين صناعات حيوية ،، وتثبيت الأسعار ،، وتوفير النقد الأجنبي ،، وخلق القيمة المضافة ،، هي بالضبط النموذج التشغيلي الذي يجب تكراره وتعظيمه اليوم ،، ولكن على مستوى أوسع يشمل كل القطاعات الصناعية المدمرة ..
كما تمثل تجربة وحدة التمويل الأصغر نقلة نوعية حقيقية ،، حيث وفّر المصرف موقعاً خاصاً منفصلاً ودائماً لهذه الوحدة ليصبح منصة احتضان حقيقية لتلبية احتياجات الحرفيين وصغار المنتجين والمعاشيين من التمويل الميسر ،، مجسداً نجاح الدولة في تشجيع هذا القطاع الحيوي ،، وهو النجاح الذي جاء تتويجاً للسياسة التمويلية الرشيدة للبنك المركزي ..
وتأتي تجربة وحدة الصمغ العربي كإحدى الركائز الأساسية في هذه المسيرة ،، فهي لم تكن مجرد تدخل تمويلي عابر ،، بل شكلت نواة حقيقية لمحفظة وطنية متكاملة الأركان ..
تمتلك الوحدة اليوم قاعدة بيانات شبه مكتملة ورصيداً وافراً من المعلومات الدقيقة عن سلاسل الإنتاج والتسويق ،، مما يؤهلها للانطلاق بثقة من قاعدة ثابتة نحو آفاق أوسع ..
إنها نموذج عملي لخبرة وطنية متراكمة قادرة ،، بإذن الله ،، على تحقيق الهدف المنشود في إحلال الواردات وتعظيم القيمة المضافة ،، وامتداد هذه النواة المباركة إلى محفظة كبرى تعمّم قصص النجاح على كامل القطاع الصناعي في المستقبل القريب بإذن الله ..
أما تجربة وحدة الجلود فتمثل محطة مضيئة أخرى في مسار توطين الصناعات السودانية ،، وهي نواة واعدة أيضاً لأن تتحول إلى محفظة متكاملة ..
إذ أثبتت الوحدة قدرتها على خلق قيمة مضافة حقيقية لمنتجات الثروة الحيوانية ،، محولة المواد الخام من سلع أولية تُصدّر بأسعار زهيدة إلى منتجات نصف مصنعة وتامة الصنع من خلال تمويل مصانع الجلود القائمة ..
والأهم أنها أسست بنية تحتية من البيانات والخبرات الفنية التي تؤهلها للتوسع في تحقيق إحلال الواردات وتنمية الصادرات ..
إنها إن شاء الله مقبلة على آفاق أرحب تؤكد أن الصناعات التحويلية ليست حلماً بعيد المنال ،، بل واقعاً يمكن تعميمه ..
وإن الحديث عن الجدارة في قيادة هذه المحفظة المصيرية ،، لا يقوم فقط على سجل حافل بإدارة المحافظ الناجحة ،، بل يتأسس في المقام الأول على حقيقة موضوعية لا تحتمل الجدل ،، مصرف التنمية الصناعية هو الكيان الوطني المتخصص ،، وهو الذراع التمويلية الوحيدة التي أنشئت أصلاً لهذا الغرض ..
فالجدارة هنا تنبع من صميم التخصص ،، فالمصرف ليس مجرد مؤسسة مصرفية تقليدية تدير التمويل ،، بل هو البيت الطبيعي والخبير الأول بالشأن الصناعي بكل تفاصيله وتعقيداته ..
هذه الخصوصية النوعية ،، وهذا الفهم العميق لاحتياجات المصانع وسلاسل الإنتاج ،، هو ما يمنحه تفوقاً طبيعياً على أي كيان آخر ،، ويجعله الخيار المنطقي والوحيد الذي يمتلك البوصلة الصحيحة لعبور هذا التحدي الكبير ..
إن هذه الإمكانية الفريدة تمنح المصرف ميزة استباقية وكفاءة فريدة ،، تجعله القائد الطبيعي لأي محفظة أو صندوق لإعادة الإعمار الصناعي ،، حيث يمكنه تحويل الدعم والتمويل إلى مشاريع إنتاجية حقيقية ومستدامة ،، لا إلى عمليات إغاثة مؤقتة ..
لقد أتقن المصرف ،، عبر مسيرته الممتدة ،، حوكمة المحافظ وآليات تمويل القطاعات الإستراتيجية ،، وهو ما يُعد رأس المال الحقيقي والأكثر قيمة في معركة إعادة الإعمار التي نواجهها اليوم ..
وإن ثقة المانحين والشركاء ستكون أكبر بكثير عندما يُدار هذا الملف من قبل مؤسسة وطنية تمتلك هذا السجل الحافل بالنجاح ونهجاً واضحاً قائماً على إحياء الإنتاج واستدامته ..
لذا فإن الدعوة الملحة الآن هي للعمل على إنشاء محفظة إعادة الإعمار الصناعي عاجلاً ،، بمشاركة البنك المركزي والمصارف الأخرى ،، وتحت القيادة التنفيذية والفنية لمصرف التنمية الصناعية ..
فكما نجحنا في الزيوت والتمويل الأصغر والصمغ العربي والجلود ،، فإننا على يقين بأننا سننجح في بعث الحياة مرة أخرى في المنظومة الصناعية الوطنية ،، ليعود مصرف التنمية الصناعية شريكاً أساسياً في نهضة البلاد وتحقيق الاكتفاء الذاتي ..
ولتحقيق هذه الرؤية ،، لا بد من التحرك وفق رؤية استراتيجية واضحة الأركان ،، تقوم على الأسس التالية :
أولاً: حصر وتقييم الأضرار :
يبدأ الطريق ببناء قاعدة بيانات دقيقة وشاملة للمنشآت المتضررة ،، وتصنيفها وفق درجة الضرر وأولويات التعافي ،، وهي مهمة تنطلق من قاعدة البيانات التي أرساها المصرف عبر تجاربه السابقة ،، لا سيما في قطاعي الصمغ العربي والجلود ..
ثانياً: تحديد الأولويات القطاعية :
التركيز على الصناعات الأكثر إلحاحاً ،، وفي مقدمتها صناعات الإعمار (كالأسمنت والحديد) ،، والصناعات الغذائية والدوائية لتحقيق الأستقرار الذاتي ،، والصناعات كثيفة العمالة لامتصاص البطالة ،، تماماً كما فعلت محفظة الزيوت عندما استهدفت سلعة استراتيجية وحققت فيها الأكتفاء الذاتي ..
ثالثاً: تقدير حجم التمويل وتنويع مصادره :
حصر الاحتياجات التمويلية بدقة ،، وتنويع مصادرها بين التمويل المحلي (عبر المصارف) والتمويل المختلط (بالشراكة مع القطاع الخاص) والتمويل الأخضر (للمشاريع المستدامة) ،، وذلك بالخبرة التي اكتسبها المصرف في إدارة محفظة الزيوت التي وفرت النقد الأجنبي وحققت إحلال الواردات ..
رابعاً: آليات التمويل والتنفيذ : تفعيل أدوات مصرف التنمية الصناعية المرنة في تقديم القروض المباشرة والميسرة ،، مستفيداً من نموذج التمويل الأصغر الذي وفّر الدعم للحرفيين ،، ومن حوكمة المحافظ الكبرى الذي تجلى في تجربة الزيوت ..
خامساً: التخطيط المكاني : إنشاء مدن صناعية جديدة متكاملة الخدمات ،، أو إعادة تأهيل القائم منها ،، لتعظيم الاستفادة من الموارد والبنى التحتية ..
سادساً: الحوكمة والمتابعة : وضع آليات رقابية صارمة تضمن الشفافية وكفاءة الإنفاق ،، وتقطع الطريق على أي هدر ،، وهو ما يمثل رأس المال الحقيقي للمصرف الذي أتقن حوكمة المحافظ على مدى عقود ،، مما يعزز ثقة المانحين والشركاء ..
إن هذه الرؤية الطموحة تحتاج إلى ذراع مالي وطني متخصص ،، لا يخضع لضغوط الربح السريع ..
مصرف التنمية الصناعية ،، بدعم حكومي غير مسبوق وتعاون وثيق من بنك السودان المركزي وكافة المصارف ،، هو المؤسسة الوحيدة القادرة على إدارة محفظة إعادة الإعمار الصناعي وتحويلها من مجرد أموال تُنفق إلى مصانع تنتج ،، واقتصاد ينهض من جديد ..
ولذلك نوجه نداءنا هذا إلى سيادة محافظ بنك السودان المركزي ،، بأن تستجيب الحاجة الوطنية للسرعة في تكوين هذه المحفظة ،، وأن يُوكل أمر قيادتها وإدارتها لمصرف التنمية الصناعية ..
فالظرف لا يحتمل التأجيل ،، والخبرة الجاهزة متوفرة ،، والنماذج الناجحة موجودة أمام أعيننا ..
دعونا نستفيد من دروس الماضي لبناء مستقبل أكثر صلابة ،، وليكن مصرف التنمية الصناعية في قلب هذه المعركة الاقتصادية المصيرية .









إرسال تعليق