قهوتي|| شذى عبدالله طه
الانتقام لا يأتي من قوة، بل من جرحٍ لم يُفهم، ومن غضبٍ لم يجد طريقه إلى الحكمة. هو ردّة فعل صاخبة، يحاول بها الإنسان أن يستعيد كرامته، بينما الحقيقة أن الكرامة لا تُسترد بالأذى، بل بالتماسك. فالذي ينتقم لا ينتصر، بل يكشف هشاشته أكثر مما يُثبت قوته.
في لحظة الأذى، يبدو الانتقام مغريًا. يعدُك براحة سريعة، وبشعور زائف بالعدل، لكنه لا يمنحك سلامًا حقيقيًا. لأن النفس حين تنحدر إلى مستوى الإساءة، تخسر أكثر مما تكسب، وتتحول من ضحية إلى شريك في القبح الذي ترفضه. الانتقام لا يُنهي الألم، بل يمدّ عمره، ويجعلك أسيرًا لخصمك أكثر مما كنت قبله.
القوة الحقيقية ليست في القدرة على الرد، فالجميع يستطيع أن يؤذي، بل في القدرة على الترفع. أن تختار الصمت حين يكون الكلام أداة جرح، وأن تمضي حين يكون البقاء استنزافًا. الترفع ليس ضعفًا، بل وعيٌ بأن بعض المعارك لا تستحق أن تُخاض، وأن بعض الردود لا تستحق أن تُقال.
في الميزان الإيماني، الانتقام ليس عدلًا، والسكوت ليس دائمًا عجزًا. العدل قيمة، لكن طريقه ليس الغضب، والسكينة ليست خنوعًا، بل ثقة بأن الحق لا يضيع، حتى وإن تأخر. من يثق بعدالة الله لا يستعجل القصاص بيده، لأنه يعلم أن ما يفوته اليوم لن يفوته غدًا.
الانتقام يربك القلب، ويشوّش البوصلة، ويُطفئ النور الداخلي. يجعلك مشغولًا بمن أساء، أكثر من انشغالك بنفسك، وبنائك، ونقائك. بينما العفو، أو التجاوز الواعي، يحررك من هذا القيد، ويعيدك إلى مركزك الحقيقي.
وليس المطلوب أن نبرّر الأذى، ولا أن نُجمّل الخطأ، ولا أن نسمح بتكراره. بل أن نعرف متى نضع حدًا دون أن نتحول إلى نسخة من المؤذي. أن نغلق الباب بهدوء، لا أن نكسره غضبًا. أن نختار الكرامة لا الضجيج، والسلام لا الاستعراض.
الانتقام صاخب، لأن صاحبه يحتاج أن يُسمَع، يحتاج أن يُثبت أنه تألم. أما القوي حقًا، فيمضي دون إعلان، ويترك أثره في صمته، وفي اختياراته، وفي المسافة التي يضعها بينه وبين كل ما يستهلك روحه.
لا تنتقم…
لأن الانتقام لا يشفي،
ولا يعلّم،
ولا يُعيد ما فُقد.
ما يشفي هو أن تبقى أنت، كما أنت، دون أن تسمح للأذى أن يعيد تشكيلك.
وما يُربك خصمك حقًا، ليس انتقامك، بل نجاتك.
قهوتي أحب شربها باردة ☕










إرسال تعليق