حكاية سلمي وآيات وسيادة حكم القانون

  • بتاريخ : 11 فبراير، 2026 - 10:34 ص
  • الزيارات : 21
  • بقلم : د. خالد صالح

    لا زلت أتذكر كلما مرت بنا علة في الشأن العام ، رحلتي الي الصين في العام ٢٠١٢م ومشاركتنا في فعاليات دبلوم الإدارة بجامعة نانشانغ وسط مجموعة مختارة من القيادات الوسيطة بالدول النامية.
    كانت أبرز فعاليات برنامج الدبلوم دراسة تجربة الصين الشعبية في التحول من دولة نامية فقيرة مثقلة بالفقر والديون والبؤس الإقتصادي ، الي دولة متقدمة متطورة تمضي نحو المستقبل على أجنحة العلم والمعرفة والتكنولوجيا . ولعل مثار دهشتنا بعد سلسلة طويلة من المحاضرات ، أن الصين حققت ما وصلت إليه عن طريق حزمة من الإصلاحات تعد على أصابع اليد الواحدة أبرزها سيادة حكم القانون ، فالناس هناك سواسية في حكم القانون ، والقانون نافذ ولا يفرق بين مسؤول أو مواطن أو غني أو فقير ، وأعلى مسؤول في هرم الدولة قد يجد نفسه تحت سياط القانون وأحكامه الرادعة. ولأول مرة يتضح لنا ارتباط التنمية والنهضة بالقانون ، وكأن الصين تقول لنا لا تحلموا بتنمية بدون سيادة حكم القانون .
    في المقام الثاني في حزمة كتالوج نهضة الصين جاء مناهضة الفساد والقضاء عليه، وكانت الصين قبل تلك الإصلاحات إبان ستينيات القرن الماضى تعاني من فساد بشع ، قضي علي آمال الصينيين في التنمية والتطور ، لكن إرادة الدولة استعدلت الأمور وشنت حرب لا هوادة فيها الفساد ، بقوانين رادعة لا مجاملة فيها لأحد ، وكانت المفاجأة أن الأموال التي وفرها القضاء على الفساد ، كانت هي الرافعة للاقتصاد الصيني الحديث .
    الأمر الثالث في حزمة الصينيين كان هو الإهتمام بالتعليم بكافة ضروبه ، لقد أدرك الصينيين ، أنه لا نهضة ولا تطور ولا مستقبل مشرق بلا قاعدة تعليمية متينة، والنتيجة الصين كما ترونها الآن ، إبداع في كافة المجالات ونهضة وتطور يستحقان الإعجاب والتقدير.
    في ظل واقعة الدكتورة سلمي عبد الجبار عضو مجلس السيادة ، المتهمة باستغلالها نفوذها ومحاولة إجبار مدير أراضي ولاية الخرطوم آيات محمد أحمد المأذون ، علي لي عنق القانون ، وإنجاز معاملة بالأراضي تخصها – وفقا لروايتي الزملاء رشان اوشي وعبد الماجد عبد الحميد – والتداعيات المنبثقة عن الواقعة بعد رفض السيد مدير الأراضي تمرير المعاملة استناداً لقرار صادر من والي الخرطوم ، بمنع كافة المعاملات الإستثمارية بالأراضي في الوقت الحالى ، تلك الوقائع التي أدت لطرد مدير الأراضي من مكتبه ثم توقيفه عن العمل وفقاً لرواية الزملاء الذين فجروا الواقعة، هنا يجب أن نتوقف كثيراً حول إشكالية سيادة حكم القانون واستغلال النفوذ. وهل يحق للمسؤولين أن تكسر لهم القوانين وتنجز لهم الإجراءات على وجه السرعة ، وإلا فسوف تجد نفسك ذليلا ومهانا ومطرودا، هذا أن لم يلق بك أحد في غياهب السجون.
    الأخبار المتواترة ، تشير إلي طي الملف وفق أعراف السودانيين في حل الأمور عن طريق الجودية، لكن هذا النهج أن كان يصلح للمجتمعات السودانية البسيطة في قراها ودمرها، لن يصلح كنهج لإدارة دولة تتطلع أن تكون دولة متقدمة ومتطورة ومتحضرة.
    هذه الواقعة، يجب أن تكون حدا فاصلا للفصل بين العام والخاص ، وبين إستغلال النفوذ وتطبيق القوانين والتشريعات.
    من المهم أن تسود روح القانون بين الناس جميعا حاكما ومحكوم ، وزير وغفير، ومن الضروري أن يتعلم المسؤولين أن المصلحة العامة تعلو على المصلحة الخاصة، وأنه المنصب الدستوري لا يخول لأحد أن يهين أحد آخر ، لمجرد تقيده بالتشريعات وتطبيقه صحيح القانون ، بل على العكس أن يجد المسؤول الدستوري مدانا لأنه انتهك قدسية القانون ودنسها.
    كنا نعتقد أننا قد تعلمنا من الحرب ، لكن هذه الواقعة المؤسفة تداعياتها الخطيرة توضح لنا بجلاء انه ينتظرنا الكثير من الخطوات للتعلم وللحاق بالآخرين.