كيف يمكن للباركود أن يقود التنمية الاقتصادية في السودان؟

  • بتاريخ : 10 فبراير، 2026 - 1:56 م
  • الزيارات : 58
  • بقلم : علي محمد مكاوي

    (خبير وطني في المواصفات والبيئة والاستثمار)

    الباركود ليس خطوطاً.. بل هوية اقتصادية وسيادة تجارية
    كيف يمكن للباركود أن يقود التنمية الاقتصادية في السودان؟
    في عالم الاقتصاد الحديث لم تعد التجارة تقوم فقط على الإنتاج والبيع، بل أصبحت تعتمد على الهوية الرقمية للسلع والخدمات، وعلى قدرة الدولة في ضبط الأسواق ومكافحة التزوير وتسهيل الصادرات. ومن أهم أدوات هذا التحول العالمي ما يُعرف بـ الباركود Barcode.
    فالباركود ليس مجرد خطوط سوداء على العبوة، ولا رمزاً شكلياً كما يعتقد البعض، بل هو في جوهره رقم معياري عالمي يمنح المنتج أو الخدمة هوية رقمية معترف بها دولياً، تُستخدم في البيع والتخزين والتتبع، وتُعد أساساً رئيسياً في نظم التجارة الدولية الحديثة.
    أولاً: ما هو الباركود؟
    الباركود هو نظام عالمي لترقيم المنتجات والخدمات والمواقع والشحنات، ويُدار دولياً عبر منظمة GS1 العالمية. ويظهر الباركود على شكل:
    خطوط سوداء (EAN-13 / UPC)
    أو مربع رقمي (QR Code)
    أو رموز متقدمة مثل DataMatrix للدواء والتتبع
    ويُستخدم لتحقيق أهداف استراتيجية مثل:
    تسريع البيع في نقاط الدفع (الكاشير)
    ضبط المخزون وتقليل الفاقد
    مكافحة الغش والتزوير
    تسهيل التجارة الإلكترونية
    دعم التصدير وربط المنتج بالأسواق العالمية
    ثانياً: لماذا الباركود مهم للاقتصاد السوداني؟
    إن اعتماد السودان على نظام باركود وطني رسمي لا يمثل قضية فنية فقط، بل يمثل قضية سيادية واقتصادية، لأن الباركود يشكل أساساً في:
    1) تعزيز الصادرات وفتح الأسواق
    كثير من الأسواق العالمية تشترط وجود ترقيم معياري معتمد للمنتجات، خصوصاً في:
    الأغذية
    اللحوم والألبان
    الدواء
    المنتجات الزراعية والصناعات التحويلية
    فالباركود يجعل المنتج السوداني قابلاً للتتبع، ويسهل دخوله لسلاسل الإمداد العالمية.
    2) مكافحة التزوير والتهريب
    في ظل انتشار السلع مجهولة المصدر، يصبح الباركود أداة قوية لتمييز المنتج الأصلي من المقلد، ويساعد الجهات الرقابية في تتبع مصدر السلعة.
    3) ضبط الأسواق وتحسين الرقابة الحكومية
    الباركود يساعد في:
    مراقبة التداول التجاري
    ضبط حركة المخزون
    تنظيم الأسعار
    دعم أنظمة الجمارك والضرائب
    وبذلك يصبح الباركود أحد أدوات الحوكمة الاقتصادية.
    4) دعم الصناعة الوطنية والاستثمار
    وجود نظام باركود وطني معترف به يعزز ثقة المستثمرين، لأنه يوفر شفافية في السوق، ويخلق بيئة منظمة للصناعة والتجارة.
    ثالثاً: هل للسودان باركود رسمي عالمي؟
    نعم، السودان لديه Prefix عالمي معتمد داخل منظومة GS1 وهو:
    ✅ 579
    أي منتج يبدأ بـ (579) يعني أن الشركة المالكة للترقيم مسجلة ضمن السودان عبر نظام GS1.
    وهنا يجب التوضيح أن: الرقم لا يعني أن المنتج صُنع داخل السودان بالضرورة، ولكنه يعني أن الشركة المالكة للباركود مسجلة في السودان رسمياً.
    رابعاً: كيف يساهم الباركود في التنمية الاقتصادية؟
    إذا تم تفعيل منظومة الباركود السوداني بصورة رسمية ومؤسسية، فإن ذلك سينعكس مباشرة على الاقتصاد عبر:
    زيادة الصادرات وتقليل رفض الشحنات
    رفع ثقة المستوردين في المنتج السوداني
    تقليل الفاقد في التخزين وسلاسل التوريد
    تقليل التلاعب في بيانات المنتجات
    تسهيل دخول المنتجات السودانية للأسواق الكبرى
    دعم التجارة الإلكترونية والتحول الرقمي
    وبذلك يصبح الباركود جزءاً من مشروع اقتصاد وطني حديث قائم على البيانات.
    خامساً: الباركود كأداة للسيادة الاقتصادية
    الدول التي تملك نظام ترقيم وطني قوي تستطيع:
    حماية صناعاتها
    ضبط الأسواق
    التحكم في سلاسل الإمداد
    تعزيز الأمن الغذائي
    تحسين إجراءات الجمارك والتصدير
    لذلك فإن الباركود ليس مجرد تقنية، بل هو أداة سيادية تعبر عن وجود الدولة في الاقتصاد العالمي.
    سادساً: المطلوب من السودان عملياً
    لكي يتحول الباركود إلى رافعة اقتصادية حقيقية، فإن السودان يحتاج إلى:
    إنشاء أو تفعيل GS1 Sudan كمؤسسة وطنية معترف بها
    تسجيل الشركات السودانية رسمياً ومنحها Company Prefix
    ربط الباركود بالجمارك والتصدير والمواصفات
    تطبيق نظم التتبع للغذاء والدواء واللحوم
    تخفيض رسوم التسجيل للمشاريع الصغيرة
    تدريب المصانع والمصدرين والمطابع على معايير GS1
    خاتمة
    إن بناء اقتصاد حديث لا يتحقق فقط بزيادة الإنتاج، بل يتحقق عبر تنظيم الأسواق، وضبط البيانات، وحماية الهوية التجارية للسلع الوطنية.
    والباركود يمثل حجر الأساس في هذه العملية، لأنه يربط المنتج السوداني بالعالم، ويعزز الثقة، ويحد من الفوضى والتزوير، ويؤسس لاقتصاد رقمي قادر على المنافسة.
    إننا بحاجة إلى أن ننتقل من مرحلة التعامل مع الباركود كرمز شكلي، إلى اعتباره مشروعاً وطنياً للتنمية الاقتصادية.
    فالباركود ليس خطوطاً…
    بل هو هوية.. وحوكمة.. وسيادة اقتصادية.