الطيب شيقوق المحامي و المستشار القانوني
(عضو مجلس إدارة سوق الخرطوم للأوراق المالية)
يقدّم “مانيفستو الخلاص الوطني: الهندسة الاستراتيجية للاقتصاد السوداني ورؤية بنك السودان المركزي لعام 2026م” قراءة تحليلية متقدمة لواقع الاقتصاد السوداني، ويكشف عن جهد فكري واضح في تفكيك أزمات التضخم، سعر الصرف، التمويل الإنتاجي، والحوكمة النقدية. غير أن هذا الطرح، على عمقه، يعاني من ثغرة جوهرية لا يمكن تجاوزها أو اعتبارها تفصيلاً ثانويًا، تتمثل في إسقاط دور بورصة الخرطوم للأوراق المالية من منظومة الإصلاح المقترحة.
لقد انحاز المانيفستو – بوعي أو دون وعي – إلى رؤية تختزل النظام المالي في ثنائية البنك المركزي والجهاز المصرفي، متجاوزًا الركن الثالث لأي اقتصاد حديث، وهو سوق رأس المال، الذي لا تقل أهميته عن السياسة النقدية أو التمويل المصرفي، خاصة في الدول الخارجة من النزاعات والحروب.
إصلاح بلا سوق للأوراق المالية … معادلة ناقصة
لا يمكن الحديث عن تعبئة المدخرات الوطنية، أو جذب الاستثمار طويل الأجل، أو تمويل إعادة الإعمار، بالاعتماد الحصري على القروض المصرفية. فالتجارب المقارنة تؤكد أن الاقتصادات التي نجحت في التعافي لم تفعل ذلك عبر البنوك وحدها، بل عبر تفعيل أسواق الأوراق المالية كقنوات شفافة لتحويل الادخار إلى استثمار منتج.
إن تجاهل بورصة الخرطوم في هذا السياق يعيد إنتاج النموذج المصرفي المهيمن (Bank-Centric Model)، وهو نموذج أثبت فشله في السودان، حيث تحولت البنوك إلى أدوات تمويل قصير الأجل، وارتبط النشاط المالي بالمضاربات والتمويل الاستهلاكي، لا بالمشروعات الإنتاجية الكبرى.
مفارقة “سندات الإعمار” بلا منصة تداول
يدعو المانيفستو إلى إصدار “سندات الإعمار” و”سندات العودة” للمغتربين، وهي فكرة في أصلها سليمة، لكنها تُطرح دون تحديد الإطار السوقي لتداولها. فأي سند لا يُدرج في سوق منظم يفتقر إلى:
السيولة،
الشفافية،
والتسعير العادل.
وبالتالي، فإن إصدار أدوات دين أو صكوك دون إدماج بورصة الخرطوم في العملية، يفرغ هذه الأدوات من مضمونها الاستثماري، ويحوّلها إلى قروض مقنّعة لا تختلف كثيرًا عن التمويل التقليدي.
الذهب… ولماذا بورصة واحدة؟
يقترح النص إنشاء “بورصة السودان العالمية للذهب”، وهي رؤية مهمة لضبط قطاع الذهب، لكن الخطورة تكمن في طرحها منفصلة عن بورصة الخرطوم، وكأن الحل هو إنشاء كيانات جديدة بدل إصلاح وتطوير المؤسسة القائمة.
إن التفكير المؤسسي السليم يقتضي أن تكون بورصة الخرطوم هي الإطار الجامع الذي تُدرج تحته:
بورصة الذهب،
أدوات التمويل الأخضر،
وصكوك الإعمار،
لا أن تتحول الدولة إلى منتج لبورصات موازية تُعيد التشظي بدل التوحيد.
الشفافية والحوكمة… والسوق الغائب
يتوسع المانيفستو في الحديث عن الحوكمة، البلوكشين، والشفافية الراديكالية، لكنه يغفل أن سوق الأوراق المالية هو بطبيعته أكثر الأدوات المؤسسية شفافية، حيث الإفصاح الإجباري، التقارير الدورية، والرقابة المستمرة.
إن تغييب البورصة من هذه الرؤية يطرح سؤالًا مشروعًا: كيف يمكن بناء اقتصاد شفاف دون تفعيل السوق التي تُجسّد الشفافية عمليًا لا نظريًا؟
الخلاصة
إن مانيفستو الخلاص الوطني يضع أسسًا مهمة لإصلاح نقدي ومصرفي، لكنه يظل إصلاحًا منقوصًا ما لم تُدرج بورصة الخرطوم للأوراق المالية كفاعل رئيسي في:
تمويل التنمية،
إعادة الإعمار،
واستعادة الثقة في الاقتصاد الوطني.
فالاقتصاد لا يُدار بعكاز واحد، ولا تُبنى الدول الحديثة دون سوق رأس مال فعّال.
وإذا كان الذهب درع السيادة النقدية، والزراعة قاطرة الإنتاج، فإن البورصة هي الجسر الذي تعبر عليه المدخرات إلى الاستثمار، والشعارات إلى واقع.
لا خلاص اقتصادي دون سوق،
ولا تنمية بلا بورصة،
ولا إعمار بقروض قصيرة الأجل.










إرسال تعليق