مذكرة تحليل استراتيجي حول أزمة صادر اللحوم السودانية، وفرص استعادة الأسواق العالمية

  • بتاريخ : 9 فبراير، 2026 - 1:50 م
  • الزيارات : 21
  • إعداد: علي محمد مكاوي

    (خبير وطني في المواصفات والبيئة والاستثمار)

    هذه المذكرة مستندة على تحليل الرأي العام والمقال المنشور بتاريخ 8 فبراير 2026م
    1) ملخص تنفيذي (Executive Summary)
    تشير المعطيات إلى وجود صراع مصالح واضح داخل قطاع صادر الماشية واللحوم في السودان، حيث بدأت تظهر مقاومة منظمة ضد جهود وزارة الثروة الحيوانية لإعادة تفعيل صادر اللحوم وفق المواصفات العالمية.
    رغم أن حجم الصادر الأخير (10 طن) محدود من حيث الكمية، إلا أنه يمثل تحولاً رمزياً واستراتيجياً يفتح الباب لاستعادة ثقة الأسواق الدولية.
    ويبدو أن هذا التحول أحدث ارتباكاً لدى مجموعات تستفيد من حالة الفوضى السابقة، سواء عبر التهريب أو الاحتكار أو تعطيل المنافسة النظامية.
    2) خلفية المشكلة (Background)
    منذ العام 2019 تراجعت قدرة السودان على تصدير اللحوم إلى عدد من الأسواق بسبب:
    ضعف الالتزام بمعايير سلامة الغذاء الدولية.
    غياب نظام رقابي صارم ومستدام.
    مشاكل في المسالخ وسلاسل التبريد والنقل.
    ضعف نظام التتبع Traceability.
    قصور في تطبيق HACCP وGMP وGHP بصورة منهجية.
    في المقابل، ظلت صادرات الحيوان الحي مستمرة لكنها أقل قيمة مضافة مقارنة بصادر اللحوم المصنعة والمبردة.
    3) تشخيص الوضع الراهن (Current Situation Analysis)
    أ) أزمة الرأي العام
    الرأي العام السوداني حساس تجاه أي ممارسات توحي بـ:
    “القشاراتة”
    الاستعراض الإعلامي
    الفساد والصفقات
    لذلك يتم استغلال أي خطوة في الصادر لإثارة الشكوك حتى لو كانت الخطوة صحيحة فنياً.
    ب) وجود مقاومة من جماعات مصالح
    تشير المؤشرات إلى أن قطاع صادر الحي واللحوم ظل لفترة طويلة تحت تأثير:
    احتكار غير معلن
    نفوذ إداري داخل مؤسسات الترخيص والتصديق
    شبكات وساطة تفرض شروطها على المستثمرين
    وبالتالي فإن نجاح الوزارة في فتح نافذة صادر جديدة يهدد هذه الشبكات.
    ج) تضارب فهم الأدوار المؤسسية
    سلسلة صادر اللحوم تمر عبر جهات متعددة:
    وزارة التجارة (رخصة الصادر)
    جهاز المخابرات/الأمن الاقتصادي (الموافقات الأمنية)
    الجمارك
    الحجر البيطري والوزارة (الشهادة الصحية)
    سلطات الموانئ والنقل
    لكن يتم تحميل وزارة الثروة الحيوانية وحدها المسؤولية السياسية أمام الجمهور، رغم أن القرار النهائي قرار دولة.
    4) الفرصة الاستراتيجية (Strategic Opportunity)
    نجاح أي شحنة لحوم سودانية في دخول أسواق خارجية وفق اشتراطات معتمدة يمثل:
    استعادة تدريجية لثقة الأسواق
    بداية تحول من تصدير “الحيوان الحي” إلى “القيمة المضافة”
    فتح باب التوسع في صادرات اللحوم المبردة والمجمدة
    رفع العائد من العملات الصعبة
    وبحسب المعلومات المتداولة فإن هناك اهتماماً أو اتصالات أولية من أسواق مثل:
    الجزائر
    الأردن
    إندونيسيا
    اليابان
    حتى لو لم تتحول هذه الطلبات إلى عقود فورية، فهي مؤشر قوي لعودة السودان كمنافس محتمل.
    5) الأثر الاقتصادي المتوقع (Expected Economic Impact)
    أ) الأثر المباشر
    زيادة العملات الصعبة
    تنشيط قطاع المسالخ وسلاسل الإمداد
    تحسين فرص التشغيل (عمالة، بيطرة، نقل، تبريد)
    ب) الأثر غير المباشر
    تحسين سمعة السودان في سلامة الغذاء
    خلق بيئة جاذبة للاستثمار في التصنيع الغذائي
    تقليل التهريب بتوفير مسار رسمي مربح
    ج) الأثر الاستراتيجي
    صادر الغذاء (لحوم، خضر، فاكهة) يعد من أكثر القطاعات استقراراً عالمياً مقارنة بالموارد شديدة التقلب (نفط، معادن).
    6) المخاطر الرئيسية (Key Risks)
    الفساد والوساطة داخل إجراءات الصادر.
    ضعف نظم الرقابة المستمرة على المسالخ وسلاسل التبريد.
    غياب الشفافية مما يسمح بتشويه الإنجازات إعلامياً.
    تسييس الملف وتحويله لصراع أشخاص بدلاً من كونه مشروع دولة.
    فقدان ثقة الأسواق الخارجية إذا حدثت أي شحنة غير مطابقة.
    7) التوصيات الاستراتيجية (Strategic Recommendations)
    أولاً: توصيات سياسية ومؤسسية
    إعلان صادر اللحوم “ملف قومي” تحت إشراف مجلس الوزراء.
    إصدار بيان رسمي يوضح أن سياسة الصادر قرار دولة وليس قرار وزير منفرد.
    إنشاء لجنة وطنية عليا لصادر اللحوم تضم (التجارة – المالية – الجمارك – الثروة الحيوانية – المواصفات – الأمن الاقتصادي).
    ثانياً: توصيات فنية وجودة
    فرض تطبيق HACCP إلزامياً في المسالخ المصدرة.
    تطبيق نظام تتبع Traceability للقطيع من المزرعة حتى الذبح.
    اعتماد مسالخ محددة للتصدير وفق تصنيف واضح (A/B/C).
    إنشاء مختبرات معتمدة للفحوصات في منافذ الصادر.
    ثالثاً: توصيات اقتصادية
    تشجيع المستثمرين على التوسع في المسالخ والتبريد والنقل المبرد.
    تقديم حوافز ضريبية وجمركية لمعدات التصنيع الغذائي.
    دعم التحول من صادر حي إلى صادر لحوم ومصنعات.
    رابعاً: توصيات إعلامية وإدارة رأي عام
    إطلاق منصة شفافة لبيانات صادر اللحوم (كمية – دولة – جهة مصدرة – نوع الشهادة).
    إصدار تقارير شهرية من الوزارة لتفويت الفرصة على الشائعات.
    التعامل مع الملف كقضية وطنية لا قضية “وزير ضد خصومه”.
    8) الخلاصة النهائية (Conclusion)
    إن تطوير صادر اللحوم يمثل فرصة استراتيجية كبرى للاقتصاد السوداني، ونجاح أولى الشحنات المطابقة للمواصفات لا يجب التعامل معه كحدث إعلامي صغير، بل كبداية لمرحلة جديدة في إعادة بناء الاقتصاد الوطني عبر قطاع الثروة الحيوانية.
    كما أن مقاومة هذا التحول مؤشر قوي على وجود شبكات مصالح متضررة، مما يستوجب تحصين الملف سياسياً ومؤسسياً، وربطه بخطة دولة واضحة لا تتأثر بالضجيج الإعلامي أو الحملات المنظمة.