مع مزاعمِ مُتخصصٍ في السودانِ القديم، أين مجمع البحرين؟( 3 )

  • بتاريخ : 7 فبراير، 2026 - 10:43 م
  • الزيارات : 59
  • بقلم / أيوب صديق
    (خبير إعلامي – مذيع بي بي سي الأسبق)
    هذا هو الجزء الثالث من وقفتي مع مزاعم ذلك السويسري المُختص في السودان القديم، التي تناولها الأستاذ إسحق أحمد فضل الله في بابه( مع إسحق) في الصفحة الأخيرة من صحيفة ألوان، ليوم الأحد 25 يناير 2026).
    كان ختام الحلقة السابقة من الحديث عن رسول الله موسى عليه الصلاة والسلام،عن الجبل الذي كلم الله تعالى عليه موسى، وانزل عليه فيه التوراة، هو في صحراء سيناء، وهو جبل الطور، وليس ذلك في جبل البركل كما يدعي ذلك الباحثُ السويسري، أو في جبل مرة كما يدعي أخونا الدارفوري. والآن نمضي مع قصة موسى الذي استقر المسيرُ به في صحراء سيناء، مع بني إسرائيل و هو يريد المضي بهم ودخول الأرض المقدسة وهي بيت المقدس (القدس) وأرض فلسطين.
    ولكن قبل ما أمضي في قصة موسى مع بني إسرائيل، اتصل بي أحد القراء فقال لي، رجاءً قفْ بما هنا لحظاتٍ واذكر لنا شيئًا عن معنى قول إحدى بمنتي شعيب لأبيها:(… يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [ القصص: 26]. وهي تعني يستأجره ليرعى له ما شيته. يُقال إنه سألها عن كيف عرفت أنه القوي الأمين فأخبرته. أما قولها (القوي) فحدثته عما كان من قوته حين أزاح الصخرة من فوهة البئر وحده عندما سقى لهما. و أما قولها الأمين، فيقال إنه عندما جاءته (… إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا). (القصص 25) تقول الروايات في ذلك، إنه عندما قام يمشي وراءها لمقابلة ابيها، كشفتِ الريحُ عن تفاصيل جسمها، فقال لها:( تأخري وامشي ورائي ودليني على الطريق بحصيات ترميها أمامي، فانا بني يعقوب لا ننظر في اعجاز النساء) وذلك هو سبب وصفها له بالأمين.
    والآن وقد انتهى مسيرُ موسى ببني إسرائيل في صحراء سيناء، وطلب منهم دخول الأرض المقدسة، التي تتفق الروايات بأنها بيتُ المقدس وأريحا بفلسطين، بعد نجاتهم من فرعون، فقال لهم كما جاء في القرآن: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ}. لكنهم رفضوا قائلين له: {إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا}، ثم أظهروا جرأتَهم بعصيانهم بقولهم له: ﴿ قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: 24] عندها دعا موسى ربه قائلاً: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ۖ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [ المائدة: 25] فجاء العقاب الإلهي: ﴿ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [ المائدة: 26]
    تلك الحادثة تُمثل نموذجـًا لعصيانهم له ورفضهم الجهاد، بعد أن أنعم الله عليهم بالنجاة من فرعون وقومه، فصاروا 40 سنة تائهين في صحراء سيناء، حيث توفي خلالها موسى وهارون وتوفي جيل الجبن والتمرد والعصيان. ويقال إنه بعد موت موسى وهارون في التيه، فالذي قاد بني إسرائيل فدخل بهم الأرض المقدسة هو نبي الله يوشع بن نون، فتى موسى الذي رافقه في رحلته للخضر. هو يوشع بن نون بن أفرائيم، من نسل يوسف بن يعقوب عليهما السلام.
    وأثناء فترة التيه تلك حدثت قصة موسى والعبد الصالح الذي هو الخضر. قيل إن موسى خطب يومـًا في قومه فأجاد، فأُعجبَ هو بخطابته وبكلامه، فسأله سائلٌ، هل يوجد من هو أعلم منك يا موسى؟! فغفل كما يغفل البشر ولم يقل: الله أعلم، بل قال: لا أحد، فعوتِب، وجرى له ما جرى مع الخضر. فأُمر بأن يذهب إلى مجمع البحرين فسيجد هناك عبدًا صالحا، بأن يحمل معه حوتا، ومكان ما يفقدا الحوت فذلك هو المكان الذي سيجد فيه العبد الصالح. فذهب ومعه فتاه يوشع بن نون، يحملان حوتًا في مكتل، حتى شعرا بالتعب والجوع وقال القرآن في ذلك: ﴿ فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبًا﴾ [ الكهف: 62] أي لما جاوزا مجمع البحرين. فأخبره فتاه فقَالَ (أَرَءَيۡتَ إِذۡ أَوَيۡنَآ إِلَى ٱلصَّخۡرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلۡحُوتَ وَمَآ أَنسَىٰنِيهُ إِلَّا ٱلشَّيۡطَٰنُ أَنۡ أَذۡكُرَهُۥۚ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِي ٱلۡبَحۡرِ عَجَبٗا ﴿63﴾ فقال ذلك ما كنا نبغي فرجعا فوجدا العبد الصالح هناك، وكان ما كان من قصة موسى معه عند مجمع البحرين. ولكن أين مجمع البحرين ذاك؟
    وهنا أقف مع عدد النصوص لعدد من الآراء التي تعددت حول موقع “مجمع البحرين”. قيل في بعض التفاسير أو الروايات الضعيفة، أنه مضيق البوسفور في تركيا، وقيل في طنجة بالمغرب، وقيل في ملتقى النيلين في السودان. وأقوى الآراء في ذلك هو الذي يقول: إن مجمع البحرين هو منطقة رأس محمد بشرم الشيخ في جنوب سيناء، عند نقطة التقاء خليج العقبة بخليج السويس. وتُعتَبر هذه المنطقةُ هي المكان الأرجح تاريخياً وجغرافياً حيث التقى موسى بالخضر هاك.
    و تُشير دراساتٌ أثرية حديثة، أبرزها للدكتور عبد الرحيم ريحان، مدير عام البحوث والدراسات الأثرية والنشر العلمي، إلى ترجيح أن «مجمع البحرين» المذكور في سورة الكهف، حيث التقى نبي الله موسى بالخضر، يقع عند نقطة التقاء خليج العقبة بخليج السويس في منطقة رأس محمد بجنوب سيناء. تم تحديد هذا الموقع بناءً على تحليل فضائي، حيث يمثل رأسُ محمد نقطة تجمع طبيعية للخليجْين في البحر الأحمر. والصخرة التي نسي عندها فتى موسى الحوت، تم تحديد صخرةٍ في رأس محمد كإحداثية للقاء، وهي تقع في مسار مباشر لطريق ساحلي. كما أن التوصيف اللغوى لكلمة مجمع البحرين لا ينطبق جغرافيًا على أى مكان فى العالم إلا فى رأس محمد وهى مجمع خليجى العقبة والسويس.
    كل هذه المعلومات ترجح كثيرا، إلى قدر يجد المرء صعوبة في ترجيح غيره، مثل أن منطقة التقاء البحر الأبيض المتوسط، والمحيط الأطلسي في طنجة، هي المكان الذي التقى به موسى بالخضر، أو أنه التقى به في الخرطوم عند ملتقى البحرين الأبيض والأزرق.
    ولو أراد موسى أن يمشي راجلاً أو على ظهر دابة إلى طنجة في المغرب أو إلى مقرن النيلين في الخرطوم، لاحتاج إلى أشهرٍ كثيرة ليصل إلى أي من البلدين. وهو الذي ترك قومه بني إسرائيل وراءه أربعين ليلة فقط لما ذهب لميقات ربه، فارتدوا وراءه في مدة الأربعين ليلة، إلى عبادة العجل الذي أضلهم به السامري، فكيف يكون امرهم لو غاب عنهم في رحلة تستغرق أشهرًا بحثا عن الخضر في المغرب أو السودان؟. وسمعت ذات يوم سودانيا محتجـًا بلفظ الحوت، إذ قال فتى موسى إني نسيت الحوت فقال هذا السوداني إن ذلك من الدلائل على مكان التقاء موسى الخضر عندنا، إذ نحن السودانيين نقول الحوت، وهو نسي أن دول المغرب الثلاث الجزائر وتونس والمغرب وربما ليبيا كذلك كلها تستخدم لفظ الحوت، ولسنا نحن وحدنا الذين نستخدم لفظة الحوت.
    ( يتبع إن شاء الله)