نبض للوطن || أحمد يوسف التاي
(1)
في العام 97 ، أي قبل ما يناهز الثلاثين عامًا، كانت الدعوة للتعددية الحزبية، والتحول الديمقراطي في السودان ضربٌ من ضروب الخيانة والعمالة والإرتزاق، وربما كفرٌ بواح، مثل الدعوة لوقف الحرب الآن تمامًا،
لذلك عندما أطلق الأمين العام لحزب المؤتمر الوطني آنذاك الدكتور حسن الترابي تصريحًا من باريس في ذات التأريخ، أكد فيه أن السودان مقبل الآن نحو التعددية الحزبية والحكم المدني الديمقراطي وانتخابات وكذا، كان ذلك التصريح بمثابة الصاعقة التي أذهلت الجميع، وطفق كل واحد من قادة المؤتمر الوطني من العسكريين والمدنيين، يقرأ تصريح الترابي سرًا من عدة زوايا، مع التمسك بفضيلة الصمت وخاصية الذهول..
تصريح الدكتور حسن الترابي عن “التعددية الحزبية” وأمكانية عودة الأحزاب إلى الساحة، فعل يومها، كما فعل الآن تمامًا تصريح “مسعد بولس” مستشار الرئيس الأمريكي عن التوصل إلى صيغة نهائية لاتفاق سلام في السودان نالت “رضا الطرفين”..
المهم ما علينا..
(2)
قبل ثلاثة عقود تلقفنا هنا في السودان تصريح الترابي بشهية الصائم عند إفطاره ،لطالما صُمنا سنواتٍ عجافٍ عن الكلام “الحرام ” حول التعددية الحزبية والديمقراطية والانتخابات.. واستنشقنا عبيره “الباريسي” القادم من بلاد الغرب تحمله الفضاءات وعبر الأثير والصحف الباريسية..
كنت وقتها أعمل محررًا برلمانيًا بصحيفة الشارع السياسي، لم أتردد في إجراء إستطلاع صحافي حول تصريحات الترابي تلك لجرأتها وغرابتها في ذلك الوقت، وإشاراته بالسماح للأحزاب (العميلة) بممارسة نشاطها السياسي في مساحات الطهر والنقاء.. لإجراء الاستطلاع ألتقيتُ بالبرلمان الأستاذ علي عثمان محمد طه، د.إبراهيم أحمد عمر، د. نافع علي نافع، د. محمد طاهر إيلا، د.إبراهيم محمود، الاستاذ عبد الباسط سبدرات، د. عوض الجاز، وعددًا من نواب البرلمان البارزين..كل هؤلاء القوم زاغوا من سؤالي وابدوا تحفظًا ولواذًا بالصمت، إلا الدكتور إبراهيم أحمد عمر وكان وقتها وزير التعليم العالي الذي قال لي: ( هذا قرار كبير ليس من حق الدكتور الترابي ان يقرر فيه وحده)، فيما مضى الأستاذ علي عثمان في نفس إتجاه ابرهيم احمد عمر، اما الدكتور نافع علي نافع وكان وقتها رجل أمن خطير جدًا لايظهر في الإعلام، وادلا المناسبات..عندما طرحت عليه السؤال لم يجبني إلا بضحكات ساخرة، وكان كلما أردد عليه السؤال يجبني بمزيد من الضحك، وفي النهاية اجاب على سؤالي بسؤال استنكاري:( يعني أنت عايزني أنا أجاوب ليك على السؤال دا؟ وبدا حائرًا، ثم انصرف عني وتركني حائرًا..
(3)
تذكرتُ تلك الأجواء التي كان فيها الحديث عن الديمقراطية والحريات والتعددية الحزبية “رجز من عمل الشيطان” او هو ضربٌ من العمالة والخيانة والارتزاق، وبالطبع تذكرتُ تصريحات د.الترابي عن السماح للأحزاب بممارسة نشاطها السياسي، تذكرتُ كل ذلك وانا أطالع تصريحات مسعد بولس وهو يعيد ذات سيناريو الترابي في توقيت مشابه تمامًا، وفي ظروفٍ مماثلة، وفي مناخ هو ذات المناخ المشبع بالرأي الأحادي، والفكر الشمولي، والعقلية الإقصائية..تذكرتُ تصريحات د. الترابي تلك وأنا أقرأ بين سطور حديث مسعد بولس وقد فعل حديثه عن اتفاقية سلام مرتقبة وافق الطرفان على جوهرها ومبادئها الأساسية ، فعل حديثه عن اتفاقية سلام ما فعلته تصريحات الترابي وقتها عن عودة الأحزاب الى الساحة ، حيث اربكت المشهد فكان الصمتُ والذهول سيدا المواقف كلها..صمتٌ في الدوائر الحكومية، وذهول في معسكر الدعوة لاستمرار الحرب..
(4)
إن كان ثمة فرق بين الظروف المحيطة بتصريحات د. الترابي قبل ثلاثين عامًا، وتصريحات بولس أمس، فإن الأولى وإن صبَّت في معين “العملاء والمرتزقة الخونة” فإنها خرجت من مشكاة عرّاب النظام ، والأب الروحي، وأما الثانية فصبَّت في ذات المعين – معين لا للحرب – فضلًا عن كون الذي جاء بها ساحرٌ عليم، و(عيونو خُضُر كمان)..ألم يكن الفرق واضحًا..؟؟
الأيام القليلة المقبلة كفيلة بكشف الحُجُب ، وإزاحة الأستار لتستبين الرؤى..فهي الأيام حبلى يلدن كل جديد..
فَاللَّيَالِي مِنَ الزَّمَانِ حُبَالَى .. مُثْقَلاتٌ يَلِدْنَ كُلَّ عَجِيبِ”…اللهم هذا قسمي فيما املك..
نبضة اخيرة:
ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.











إرسال تعليق