لواء ركن (م) د. يونس محمود محمد
(رئيس تحرير صحيفة القوات المسلحة الأسبق)
تقول الطرفة إن نفرًا من الأدروبات قطعوا طريق أحد التكارين (الفلاتة)، وكان “مكدّك” يعني لابس حجبات وكدا، وزول عنده عضلات (تبش). فاستخدموا معه العصا والخنجر، وكلها لم تؤثر. فاحتاروا في أمرهم وقد خارت قواهم، فقالوا له بلهجتهم الظريفة:
“ياااا تكروني… كان خلّيناك تخلّينا!”
والآن الطالع من مادبو، ناظر الرزيقات، يجيء من نفس الباب. فقد أعان في قطع الطريق مع آل دقلو الرباطة المجرمين، واستخدموا كل أنواع الأسلحة ضد الجيش والشعب الذي يقوده البرهان، بمظنة أن يسلبوه وطنه وحقه وحريته وشرفه. لكن صعبت عليهم المهمة، وأرهقتهم الملاواة.
سقتهم الخرطوم أكبر مقلب في التاريخ، لأن مادبو توعد من قبل بطيّها في خمسة دقائق، كما يُطوى البرش الكبشور في راكوبة الخلوة في بيته — وهذا تقريب لسهولة الأمر ويسره. فانتشروا مثل جراد العُشر من جنوبي ولاية نهر النيل إلى حدود الحبشة وراء حديقة الدندر، ومن جبال الفاو إلى بحر أبيض، مرورًا بكل “بطن” السودان الأوسط.
واستخدموا سوء الخلق قبل السلاح، والوحشية والتجرد من الإنسانية تمامًا، وارتكبوا من الآثام والفواحش ما تنوء به صفحات التاريخ. وظنوا أنهم قد امتلكوا السودان، وشرّدوا أهله (الجلابة والفلول) الذين لا يجيدون “الدواس”. تسندهم في ذلك قوى سياسية غشيمة حمقاء، قطعت أواصرها مع الشعب، وارتهنت لمشروع إجرامي غير مسبوق، وارتضت الدنية في شرف الوطن.
قبلت من آل دقلو ونظار السوء أمثال مادبو، وثلة الأشقياء معه من الإدارات الأهلية الذين تعجلوا اختيار المليشيا بديلًا عن جيش الوطن، وأكلوا الفطيس وتركوا الحلال، وكذبوا المطر وأكلوا التيراب، ودفقوا الموية ووردوا السراب. لأن نور البصيرة قد انطفأ فيهم، فهم في ظلمات النفس وغيّ الضلالة وعزة الإثم. تعطّل فيهم حس التمييز بين الخبيث والطيب.
رأوا المال المسروق، والعِرض المنتهك، وقتل الأنفس البريئة، وإهراق الدم الحرام، وإفساد الحرث والنسل. رأوا كل ذلك ولم يفتح الله عليهم بإنكار المنكر، ولا ردّ الحق، ولا الأخذ على أيدي المجرمين. وكل ذلك يجدونه مكتوبًا عندهم في عُهدة الإدارات الأهلية وسير النبلاء من أهلها الذين لا يُظلم عندهم أحد ولا يُضار.
لكن مادبو وأمثاله تقاسموا بليل كما تقاسم رهط الأشقياء من ثمود، فعقروا الفصيل، فجاءهم العذاب ولات حين مندم.
جيش الفلول يا مادبو هو في مقام “التكروني المفتول العضلات المكدّك”، فقط الحجبات هنا فرق نوع، ليست كحجبات الجنجويد الجهلاء. فكانت المغالبة والملابطة ليكسب صاحب النَفَس الطويل، حيث عردت المليشيا من كل السودان، ولاذت عندك في الضعين وبقية الأقبية والمخابئ التي لا تغيب عن عين صقور الجو.
متحركات الصياد يا مادبو الآن تضع اللمسات الأخيرة لطيّ مسرح الحرب المتبقي. وبالتأكيد أنت استمعت لروايات الناجين من مجموعات الجنجويد، ووصلك رزمُ خطى المتحركات، وطبول النصر، وخفق رايات الكرامة، وأهازيج الفرح، وزغاريد النساء.
وبالتأكيد يا مادبو قد عشت الخوف في مدن الظلام، وانفلات الأمن، وسيادة البلطجية، وقهر العصابات في نيالا والجنينة وزالنجي والفاشر، وعندك في الضعين التي شوّهت سمتها البدوي، ورُزئ أهلها في حلّهم وترحالهم. أحلتها من مدينة صبية فتية تشرق شمسها على أبواب الجامعة ونوافذ المستشفى وملاعب الشبان والأسواق العامرة والمطار ومركز السلطة والقرار الولائي، إلى مغارة لصوص، وماخور مخدرات، ووشم عصابة على الوجه لا يمكن إخفاؤه.
الآن يا مادبو تساوم البرهان: كان خلاك تخليه؟
لا، وشرف المغتصبات، وأرواح الشهداء، ودماء وعرق وسهر المجاهدين، وكل حق مسلوب، ومال منهوب، وعِرض منتهك — تتحمل وزره بالسوية مع آل دقلو.
فمثلك لو تعلّق بأستار الكعبة يوم الفتح لا يُعفى عنه، كما قال الرسول ﷺ في حق عبد الله بن خَطَل.
قال عاوز البرهان يخلي لينا عيالنا يمشوا حرس الحدود، ولا يسألنا ولا نسأله، لا يجينا ولا نمشي ليه!
خلاص قنعت من حميدتي وعبد الرحيم إنهم يحكموا السودان؟
أما ناظر غشيم…
*يا* *برهان* ، *مادبو* *كان* *خلاك* *تخليه* ؟ *؟*
بل بس.










إرسال تعليق