جبل موية 5 أكتوبر 2024.. المفتاح الذي فتح السودان

  • بتاريخ : 3 أكتوبر، 2026 - 4:26 م
  • الزيارات : 4
  • بقلم: م. م. الإمام عبداللطيف الإمام

    جبل موية ليس جبلاً عادياً. هو ذاكرة السودان نفسه. قبل أكثر من مائة عام، في عام 1911، وقف فيه العالم البريطاني هنري ويلكوم ليكتشف أن تحت هذه الصخور مقبرة عمرها 5000 عام، أقدم دليل على حضارة رعوية في وسط السودان. سُمي بجبل موية لأن طبقاته الجوفية تختزن الماء، فينبض بالماء حيث لا ماء حوله.

    ولهذا ظل عبر التاريخ مفتاحاً استراتيجياً. من يملكه يملك الطرق. فهو العقدة التي تربط ثلاث ولايات: سنار والجزيرة والنيل الأبيض، وهو من يتحكم في طريق سنار – ربك، الشريان الذي يربط بورتسودان بكردفان ودارفور.

    وفي حرب الكرامة، عاد التاريخ ليكرر نفسه. ففي 25 يونيو 2024، سقط جبل موية في يد قوات التمرد، وقطعت الطرق، وحوصرت سنار، وسقطت سنجة والدندر والسوكي، ونزح الآلاف.

    في الأيام القليلة التي سبقت الخامس من أكتوبر، كانت سنار تعيش على صفيح ساخن. حركة غير عادية للعربات القتالية، وقيادات تتحرك في صمت، وطائرات تجوب السماء. الشارع هادئ في ظاهره، لكن القلوب تحدثت: هناك أمر جلل يجري الإعداد له.

    مع اقتراب مغرب 4 أكتوبر 2024، كان بعض الرجال يكتبون وصاياهم ويسلمون أماناتهم. كانوا يعرفون أن التقدم إلى جبل موية يعني الدخول في قلب النار، فالقاعدة كانت حصناً حصيناً زرعه التمرد بالمدفعية والمسيرات.

    وحين أسدل الليل ستاره، طال القنوت في المسجد الكبير في سنار. دعاء ودموع وقلق: هل تصمد المدينة؟

    وفي فجر 5 أكتوبر 2024، بدأ الهجوم. من محورين في وقت واحد، هاجمت قواتنا. من سنار اللواء 17 مشاة، ومن النيل الأبيض اللواء 18 مشاة، مع هيئة العمليات وكتيبة البراء والمقاومة الشعبية والمستنفرين.

    كانت معركة كسر عظم استمرت من الصباح حتى المساء. معركة استخدمت فيها كل الأسلحة. تقدمت قوات العمل الخاص وسيطرت على جبل الأعور ثم جبل سقدي، ثم الطوق على جبل موية نفسه.

    وعند مغرب 5 أكتوبر 2024، جاء الخبر. انتهت صلاة العشاء، ثم ارتفعت التكبيرات: الله أكبر.. جبل موية تحرر.

    في لحظة واحدة، انقلب الحال. القلق تحول إلى فرح، والخوف إلى سجود. كان تحرير الجبل يعني فتح الطريق القومي سنار – ربك، وفك الحصار عن سنار، وقطع خط إمداد التمرد.

    ولم يكن هذا نهاية المطاف، بل كان البداية. فمن جبل موية انطلقت عمليات تحرير مصنع سكر سنار، ثم الدندر في 23 أكتوبر، ثم السوكي وسنجة، حتى أعلن الجيش في 5 مارس 2025 تحرير كامل ولاية سنار.

    ووراء هذا النصر رجال يجب أن تحفظ أسماؤهم: الفريق أول ركن شمس الدين كباشي الذي أشرف على العمليات، واللواء عبد المنعم عبد الباسط، واللواء علي بيلو، واللواء عوض هجانا، والعميد قذافي، والمقدم فتح العليم الشوبلي، واللواء أمن معاش عبد العظيم فضل الله، واللواء اللبيب، والعقيد الشفيع، وفخر الدين يعقوب، وأحمد عباس، ومحمد موسى، والحاج عباس الدراش، وكل جنود الظل من الاستخبارات وهيئة العمليات والقوات المشتركة.

    لم يكن انتصار 5 أكتوبر 2024 في جبل موية مجرد استعادة موقع.. كان استعادة روح. في جبل موية استعادت سنار روحها التي كادت أن تزهق بعد ثلاثة أشهر من الحصار والخوف. وفي جبل موية استعاد الجيش السوداني زمام المبادرة الذي فقده منذ سقوط مدني.

    فمن كان يظن أن تحرير جبل صغير في قلب السودان سيكون هو المفتاح الذي سيفتح كل الأبواب المغلقة؟ إن الحقيقة العسكرية التي لا ينكرها خبير تقول: جبل موية كان المفتاح.

    فبـ جبل موية فُك الحصار عن سنار، وبـ سنار تحررت الدندر والسوكي وسنجة، وبـ تحرير سنار في 5 مارس 2025 انفتح الطريق شمالاً.

    من رحم جبل موية ولد تحرير ولاية الجزيرة. فالقوات التي انطلقت من سنار بعد أن أمنت ظهرها بجبل موية، هي نفسها التي زحفت شرقاً وحررت مصنع سكر سنار، ثم تقدمت وحررت ود الحداد والحاج عبد الله، ثم طوقت مدني ودخلتها فاتحة في 11 يناير 2025.

    ومن رحم جبل موية ولد تحرير الخرطوم. فالقوات التي حررت الجزيرة هي نفسها التي عبرت جسر حنتوب، والتقت بجيوش المناقل والفاو، ثم زحفت شمالاً بلا توقف حتى دخلت الخرطوم وكسرت حصار القيادة العامة والمدرعات والمهندسين، وحررت العاصمة في مارس 2025.

    سلسلة واحدة.. حلقة متماسكة.. مفتاحها كان هناك. هناك في تلك الصخور التي ظن العدو أنها عصية، والتي رواها الشهداء بدمائهم.

    ولهذا فإن جبل موية ليس معركة من معارك سنار.. بل هو أم المعارك. هو المعبر الذي عبرت منه كل الانتصارات. هو الفجر الذي بدد كل الظلمات التي تلته.

    فإذا كانت مدني هي قلب السودان، والخرطوم هي رأسه، فإن جبل موية هو المفتاح الذي فتح القلب والرأس معاً.

    رحم الله شهداء جبل موية.. أولئك الذين مضوا ليبقى السودان.

    *وطني.. كل الأرواح لك فداء.. ومن جبل موية بدأ الفداء.*