نبض للوطن || أحمد يوسف التاي
(1)
قبل بضع سنين وبينما كان الغلاء يأخذ بخناق الناس، وأثر رفع الدعم عن المحروقات يلقي بظلاله على معايش الناس، وسعر الصرف المتصاعد ينذر بالخطر ، كانت الدولة السودانية ممثلة في وزير الشباب والرياضة اليسع صديق التاج – ترعى مهرجان سباق الأرانب البرية، كان ذلك في يناير 2018، لكن (أدينا الوزير وحكومته على رأسهم)، وانتقدنا هذا الخلل في ترتيب الأولويات، وهو فعل درج عليه المستهبلون….
منذ التسعينات وأنا أشاهد مؤتمرات ومهرجانات وورش عمل وملتقيات وسمنارات وأشارك في بعضها بحكم الوظيفة، فأجد، عناوين براقة، لافتات كبيرة، كاميرات، وخطب عصماء، وصرف بذخي على الأكل والشرب ، وحوافز مالية ضخمة تبدأ من المدير وتنتهي بالغفير ثم ينفض المولد، والمحصول النهائي ملف ضخم جدا – بضخامة الرؤوس التي ادمنت الإستهبال واستنزاف موارد الدولة- ملف ضخم من التوصيات، يتم وضعه علىالأدراج والأرفف ، وننتظر المؤتمر القادم لنكتب نفس التوصيات مرة أخرى..
وأقسم صادقا من كثرة ما رأيت، لم أعد مؤمناً بقيمة هذه التظاهرات التي تنضح بالإستهبال وعدم الجدية ليس زهداً في الحوار، بل يأساً من طريقة إدارته، وعدم الجدية وعدم الإهتمام بالمتابعة، بل توقفت في الفترة الأخيرة من المشاركة فيها لأني أعرف أهدافها الحقيقية..
تحولت معظم مؤتمراتنا في السودان إلى صناعة قائمة بذاتها، صناعة الاستهبال والتحايل على الحوافز وتذاكر السفر بلا فائدة عامة.. ولقد بِتُ أكثر يقينًا أن الهدف ليس حل مشكلة، بل صناعة الزخم الإعلامي، الهدف ليس خدمة عامة، بل تقاسم حوافز مالية، وبدلات، وتذاكر، وأخذ اللقطات للشو الإعلامي. نحن أمام ظاهرة يمكن تسميتها بلا تردد، الاستهبال المنظم…صناعة الاستهبال والتحايل المنظم.
(2)
من كثرة ما تابعتها ووقفت على حقيقة الكثير منها ، أعرف كيف تدار هذه المؤتمرات والورش..الخ..تدار على نحو يستبطن الكثير من التحايل على نهب الأموال العامة بطريق مقننة.. صحيح أنا لا استطيع أن أعمم ملاحظاتي هذه على كل المؤتمرات فبعضها القليل جدا يتسم بالمصداقية والجدية..لكن الأغلبية تدار على النحو التالي:
أولاً: الفكرة تأتي ليس من حاجة حقيقية، بل من بند ميزانية يجب صرفه، أو منحة يجب تبريرها. فيتم اختيار عنوان عام فضفاض: “نحو رؤية استراتيجية…”، “آفاق التنمية…”، “دور الشباب في…”.
ثانياً: تُستدعى نفس الوجوه، نفس المتحدثين، نفس المنظرين. يكررون نفس الكلام الذي قالوه في مؤتمر العام الماضي والذي قبله.
ثالثاً: يحرص المنظمون على القاعة المكيفة، والبروشور الأنيق، والبث المباشر، والصور الجماعية مع المسؤول. هذا هو النجاح في عرفهم.
رابعاً: تخرج التوصيات. عشرون توصية محفوظة: “ضرورة الاهتمام”، “أهمية تضافر الجهود”، “إنشاء آلية”. كلام إنشائي لا صاحب له، ولا سقف زمني له، ولا ميزانية له.
خامساً: وهذا هو الأخطر، ينتهي الاهتمام لحظة انتهاء الفعالية. لا متابعة، لا تنفيذ، لا مساءلة. المحصلة صفر، والمتابعة صفر أكبر.
(3)
سأقولها بوضوح: هذا نفاق عام، وخداع للرأي العام، وتبديد للمال العام…فكم مؤتمراً عقدنا عن التعليم؟ عن الصحة؟ عن السلام؟ عن الفقر؟ عن الإعلام والإعلاميين؟ التوصيات هي ذاتها منذ ثلاثين عاماً. لو جمعنا أوراق توصياتنا لبنينا منها هرماً أو تلالا من الأوراق، ولو سألت عن توصية واحدة نُفذت لما وجدت الكثير من :اللكلكة” والتلكؤ.
المشكلة أن هذه المؤتمرات قتلت فكرة الحوار الجاد، وسحبت من تحت رجليه البساط، وجعلت الناس تسخر من أي دعوة لحوار او عقد مؤتمر او ملتقى جامع، لأنها تربطها بالحوافز والصور، وما علق بالذهن من انطباع عن عدم الجدية ، ما جعل الخبراء الحقيقيون يزهدون فيها بينما يقبل عليها بنهم كل انتهازي مستهبل متحايل..
المؤتمر الحقيقي ليس احتفالاً أو تظاهرة اعلامية ، المؤتمر الحقيقي هو ورشة عمل مغلقة، بلا كاميرات، بلا حوافز، بمهمة واحدة واضحة، وبمسؤول واحد يوقع على التنفيذ، وبزمن محدد للمتابعة. ما عدا ذلك فهو شو إعلامي.
(4)
نحن في بلد خرج من حرب مدمرة، ليس لدينا ترف الاستهبال. كل جنيه يصرف على مؤتمر شكلي هو جنيه مسروق من دواء أو من مدرسة أو من إعمار بيت مواطن…وإياكِ أعني يا جارة..
آن الأوان أن نقول للقائمين على هذا العبث كفى عبثا،إذا لم يكن لديكم مشروع قابل للتنفيذ، وآلية للمتابعة، وشجاعة للمساءلة، فلا تعقدوا ملتقى ولا مؤتمر. وفروا علينا مالنا ووقتنا وصوركم، فالجدية تبدأ عندما نلغي فكرة ملتقى او مؤتمر لا نحتاجه، حتى لانكون كمن ينظم مؤتمرا عن التخطيط لمحاربة الكائنات الفضائية المحتمل ظهورها، بينما يستعصى عليه محاربة اعداء من بني جنسه يحتلون منزله …….اللهم هذا قسمي فيما املك..
نبضة اخيرة:
ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.







إرسال تعليق