من (ربنا يحفظك ويغطي عليك) إلى وسائل التواصل.. أين ضاعت البوصلة؟

  • بتاريخ : 3 أكتوبر، 2026 - 12:34 م
  • الزيارات : 4
  • بقلم / بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم

    الأم السودانية في الماضي، ورغم محدودية فرصها في التعليم، تتمتع ببصيرة نافذة، ورؤية ثاقبة، وفراسة متقدة، وحكمة اكتسبتها من الحياة والتجربة. وقد أدت دورا محوريا في تربية الأبناء والبنات، وغرست فيهم القيم والأخلاق والانضباط وتحمل المسؤولية، فكانت بحق لبنة أساسية في بناء أجيال من أبناء السودان، في الداخل والخارج. ولم تكن هذه التربية مجرد رعاية أسرية، بل كانت إسهاما حقيقيا في تشكيل شخصية الإنسان السوداني والمحافظة على تماسك الأسرة والمجتمع.

    ومن هنا، فإن التغيرات التي طرأت على دور المرأة والأسرة السودانية اليوم تستحق منا وقفة جادة ومتأنية. فالتقدم في التعليم والعمل ووسائل الاتصال ينبغي أن يصاحبه اهتمام أكبر بالتربية والقيم والمسؤولية الأسرية والمجتمعية.

    ولعل ما نراه اليوم في وسائل التواصل الاجتماعي من بعض المظاهر والسلوكيات التي تؤثر في الأبناء والبنات يمثل درسا وعبرة تستحق التأمل. فالخطر ليس في وسائل الاتصال ذاتها، وإنما في كيفية استخدامها وتأثيرها في منظومة القيم والتربية.

    فلندرك ما قد يتعرض له دور المرأة والأسرة السودانية من تراجع قبل فوات الأوان، ولنستفد من دروس الماضي، حيث كانت الام، رغم قلة تعليمها، مدرسة حقيقية في التربية والحكمة وبناء الإنسان.

    ومن أبلغ الدلائل على عمق بصيرة الأم السودانية قديما، تلك العبارات البسيطة التي كانت تقولها لأبنائها دون محاضرات أو دروس طويلة. فعندما يخرج ابنها من البيت للعب مع أبناء الجيران، كانت تقول له بعد ان يستحم ويلبس ملابسه:

    (أمشِ ربنا يحفظك ويغطي عليك من أولاد الحرام).

    قد تبدو هذه العبارة اليوم عابرة وبسيطة، لكنها في حقيقتها كانت تحمل رسالة تربوية عميقة. فهي لا تحذر الطفل فقط من رفاق السوء، وإنما تغرس في ذهنه، منذ الصغر، معنى التمييز بين السلوك القويم والسلوك المنحرف، وتدعوه بصورة غير مباشرة إلى اختيار صحبته، والحفاظ على سلوكه، والابتعاد عن التأثيرات السيئة.

    وكانت الأم، من خلال كلمات قليلة، تضع في عقل طفلها بوصلة أخلاقية ترافقه عندما يكبر، وتجعله أكثر وعيا بمن يصاحب وبما يفعله.

    وهنا تكمن إحدى صور الحكمة التربوية للام السودانية القديمة: قلة التعليم النظامي لم تكن تعني بالضرورة قلة الوعي أو ضعف البصيرة. فقد كانت الحياة والتجربة والمجتمع تمنحها معرفة عميقة بطبيعة الناس ومخاطر رفاق السوء وأهمية البيئة التي ينشا فيها الابناء.

    ولعلنا اليوم، في عصر وسائل التواصل الاجتماعي والانفتاح غير المحدود على مختلف الأفكار والسلوكيات، أحوج ما نكون إلى استعادة جوهر تلك الحكمة، مع تطوير أدواتها لتناسب عصرنا.

    فالأم لا تربي ابناءها بالكلام الكثير، وإنما بالقيم التي تغرسها فيهم، وبالبوصلة التي تمنحهم إياها ليهتدوا بها عندما يخرجون إلى فضاء العالم الواسع.

    رحم الله من توفاهن الله من أمهاتنا العِظام، شكلا وموضوعا، وبارك في عمر من بقي منهن إلى يومنا هذا.

    بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم