بقلم: د. سعاد فقيري
هناك اجتماعات تنتهي بانتهاء كلماتها، وهناك اجتماعات تفتح أبواباً لمرحلة جديدة.
أما اجتماع المجلس الأعلى للجالية السودانية بمصر يوم الجمعة 2 أكتوبر 2026م، فقد جاء مختلفاً؛ لأنه لم يكن اجتماعاً لتوزيع المناصب بقدر ما كان إعلاناً عن انتقال تجربة عام كامل من العمل والوفاق إلى مرحلة جديدة عنوانها: المؤسسية، والشفافية، وتوسيع قاعدة المشاركة، وخدمة المواطن السوداني.
وإذا كان العام الماضي قد شهد بناء الجسور وتقنين الكيانات وإعداد اللائحة والعمل في الملفات الخدمية، فإن المرحلة القادمة ينبغي أن تكون مرحلة الإنجاز القابل للقياس.
وهنا تحديداً تبدأ المسؤولية الحقيقية.
عام كامل من العمل… قبل أن نتحدث عن المستقبل
من الإنصاف أن نقف أولاً عند ما أنجزه المجلس خلال العام الماضي.
فالمجلس عمل بروح الوفاق، وتعاون في إعداد لائحته مع مكتب شؤون العاملين بالخارج، وبعد المداولات والمناقشات وصلت اللائحة إلى الجمعية العمومية غير العادية، وتمت إجازتها.
كما جرى تنظيم وتقنين الكيانات وفق شروط واضحة لقبول العضوية، وهي خطوة مهمة في اتجاه بناء جسم جامع لا تحكمه العشوائية ولا تتداخل فيه الصلاحيات.
لكن قيمة المؤسسات لا تقاس بما تكتبه في اللوائح فقط، وإنما بما تقدمه للناس.
وهنا نجد أن المجلس حاول أن يكون قريباً من احتياجات السودانيين في مصر، وخصوصاً في الظروف الاستثنائية التي يعيشها المواطن السوداني.
التعليم… حين يصبح المجلس سنداً للطالب
في الملف التعليمي، تم التعامل مع أعداد كبيرة من الطلاب السودانيين المتعثرين، ومساعدتهم في الامتحانات بمختلف المراحل دون مصروفات، كما تم استيعاب أعداد من الطلاب المتعثرين للالتحاق بالمدارس السودانية دون رسوم، بفضل تعاون إدارات المدارس.
وهذه ليست مجرد خدمة عابرة.
فالطالب الذي يجد من يقف إلى جانبه في لحظة تعثر، والأسرة التي تستطيع أن تواصل تعليم أبنائها رغم الظروف، هما جزء من المعنى الحقيقي للعمل المجتمعي.
ومن هنا ينبغي أن يتحول الملف التعليمي في المرحلة المقبلة إلى مشروع مؤسسي متكامل.
في رمضان… المجلس بين الناس
وفي الجانب الاجتماعي، قدمت الأمانة الاجتماعية نموذجاً للعمل الميداني من خلال الزيارات وتوزيع كميات كبيرة من زاد رمضان على الأسر المتعففة في مناطق مختلفة من الجالية.
كما أقيمت الإفطارات الرمضانية في عدد من التجمعات السودانية، وبعض الأقسام والسجون، إلى جانب تقديم كميات من الأرز للأسر المحتاجة.
هذه الأعمال قد لا تظهر في البيانات الكبيرة، لكنها تصل مباشرة إلى الإنسان الذي يحتاجها.
وهذا هو جوهر العمل المجتمعي:
أن تصل المؤسسة إلى المواطن قبل أن يضطر المواطن إلى البحث عنها.
المرأة ليست هامشاً… والشباب ليسوا مجرد مستقبل
وفي ملف المرأة، قدمت الأمانة عدداً من الندوات النوعية والتوعوية، ونفذت أنشطة عبر الدور والأندية، وشاركت في الاحتفال بيوم اليتيم.
أما أمانة الشباب فقد أقامت عدداً من الندوات الثقافية والتوعوية في أماكن مختلفة.
والمرحلة المقبلة تحتاج إلى أكثر من ذلك.
فالمرأة السودانية في مصر تمتلك خبرات وقدرات كبيرة، والشباب السوداني يمتلك طاقات يمكن أن تكون رصيداً للجالية.
لذلك فإن المطلوب ليس فقط إشراكهما في الأنشطة، وإنما إشراكهما في التخطيط وصناعة القرار والتنفيذ والتقييم.
الصحة… من التخفيض إلى منظومة متكاملة
وفي المجال الصحي، تم تقديم كرت الصحة، إلى جانب الاتفاق مع عدد من العيادات ومعامل التحاليل والمستشفيات على تخفيضات تراوحت بين 30% و50%.
وهي خطوة مهمة يمكن البناء عليها مستقبلاً لإنشاء شبكة صحية أكثر تنظيماً تخدم السودانيين في مختلف المناطق.
التدريب والثقافة والقانون والرياضة
لم تتوقف جهود المجلس عند التعليم والصحة والعمل الاجتماعي.
فأمانة التدريب قدمت عدداً من الندوات التدريبية، وأمانة الشباب تحركت في مجال التوعية، كما قدمت الأمانة الثقافية فعاليات دينية وثقافية.
وفي المجال الرياضي تم توقيع بروتوكول مع الاتحاد المحلي للرياضة بالخرطوم، بينما أقامت الأمانة القانونية ندوة للتعريف وتحليل القوانين المصرية الجديدة.
كما تم استرجاع مكتب الجالية السودانية ببيت السودان، ليعود كمساحة يمكن أن تكون منصة للتواصل والخدمة والنشاط المجتمعي.
كل ذلك جهد يجب ألا يُنكر.
لكن في الوقت نفسه يجب ألا يتحول تقدير ما مضى إلى توقف عن السؤال الأهم:
ماذا بعد؟
الجمعة 2 أكتوبر… يوم كشف الحساب وبداية جديدة
في اجتماع الجمعة 2 أكتوبر، كان الحضور أمام لحظة مختلفة.
فبعد إجازة اللائحة في الأسبوع السابق، اجتمع المجلس لتكوين القيادة والمكاتب التنفيذية.
بدأ اللقاء بالترحيب، ثم جاءت كلمة الرئيس السابق الأستاذ أحمد عوض، الذي تحدث عن المرحلة الماضية، قبل أن يعلن فتح صفحة جديدة لخدمة الجالية.
ثم تحدث الأمين العام الأستاذ محمد سعدابي، مقدماً عرضاً عن الجهد الذي بذل خلال الفترة الماضية، بروح من التواضع والمسؤولية، مؤكداً أن العمل تم في ظروف يعلمها الجميع، وأن التوفيق كان من الله ثم بعون أبناء الجالية، ومبدياً الاعتذار عن أي تقصير.
ثم جاءت واحدة من أهم لحظات الاجتماع:
المال أمام الجمعية العمومية.
قدم الأستاذ حمدي بشير والأستاذ عبدالناصر المستندات والبيانات المالية، وتم عرض المنصرف والمتبقي بالجنيه المصري بصورة واضحة على الشاشة.
وهنا يجب أن نتوقف.
فالشفافية المالية ليست مجرد إجراء جميل.
إنها القاعدة التي تُبنى عليها الثقة.
وكلما كانت المؤسسة أكثر وضوحاً في أموالها، كانت أكثر قدرة على حماية نفسها من الشائعات وسوء الفهم.
الترشيح العلني… والثقة مسؤولية
ثم جاءت مرحلة الترشيحات، وقادها الدكتور حسن بابكر نائب رئيس جهاز المغتربين بالسودان.
وكان من اللافت أن عملية الترشيح تمت بصورة مباشرة وعلنية، حيث اختار الحضور الترشيح جهراً.
فتم ترشيح الأستاذ أحمد عوض رئيساً، والأستاذ محمد سعدابي أميناً عاماً، ثم ترشيح أعضاء المكاتب التنفيذية، بمشاركة 23 من الرجال والنساء.
وكان الاجتماع بحضور سعادة قنصل السفارة السودانية البخاري حبيب، إلى جانب الدكتور حسن بابكر نائب رئيس جهاز المغتربين بالسودان.
وفي ختام الاجتماع، جاءت كلمة الدكتور حسن بابكر بروح إيجابية تجاه الجالية، متمنياً للمجلس التوفيق والسداد، ومؤكداً نقل ما دار إلى رئيس جهاز المغتربين بالسودان.
ثم جاء مسك الختام بكلمة سعادة القنصل.
وهكذا انتهى الاجتماع، لكن العمل الحقيقي بدأ.
الآن… لا وقت للراحة
إذا كان العام الماضي هو عام الوفاق والتأسيس والخدمة، فإن المرحلة القادمة يجب أن تكون عام الإنجاز والمؤسسية.
وهنا أضع أمام المجلس الجديد بعض الملفات التي أرى أنها تستحق أن تكون في مقدمة أجندته:
1. من اللائحة إلى خطة استراتيجية
اللائحة تنظم العمل، لكنها لا تصنع الإنجاز.
المطلوب خطة استراتيجية لعام كامل، تحدد:
ماذا سنفعل؟
متى سنفعله؟
من المسؤول عنه؟
وما الموارد المطلوبة؟
وكيف سنقيس نجاحه؟
2. قاعدة بيانات للجالية
لا يمكن إدارة جالية كبيرة بالانطباعات.
نحتاج إلى قاعدة بيانات تشمل الطلاب، والأسر، والمرضى، والنساء، والشباب، وأصحاب المهن، ورجال الأعمال، وأصحاب الاحتياجات الخاصة، والمناطق التي يتركز فيها السودانيون.
البيانات هي بداية التخطيط الصحيح.
3. مركز موحد لخدمات الجالية
من المهم التفكير في إنشاء نافذة أو مركز موحد يستقبل طلبات المواطنين ويوجههم إلى الجهة المختصة.
حتى لا يظل المواطن يدور بين المكاتب والأشخاص.
4. حماية المواطن من السماسرة
كلما غابت المعلومة ظهر الوسيط.
لذلك يجب أن تكون للجالية منصة واضحة تقدم الإجراءات والمعلومات القانونية والخدمية، حتى لا يصبح المواطن فريسة للاستغلال.
5. التعليم أولاً
يجب أن يكون للطلاب ملف دائم، لا موسمي.
من القبول إلى الرسوم، ومن المدارس إلى الجامعات، ومن المتعثرين إلى المتفوقين.
ويمكن للمجلس أن يبني شراكات واسعة مع المؤسسات التعليمية المصرية والسودانية.
6. المرأة والشباب في قلب القرار
ليس المطلوب أن تكون المرأة والشباب مجرد أمانات تحمل أسماء جميلة.
المطلوب أن يكون لهم دور حقيقي في صناعة القرار والتنفيذ والتقييم.
7. صندوق اجتماعي للجالية
يمكن التفكير في إنشاء صندوق اجتماعي شفاف، يخضع لضوابط مالية واضحة، لدعم الحالات الإنسانية الطارئة والأسر الأكثر احتياجاً والمرضى والطلاب.
8. تقرير سنوي للجالية
أقترح أن يصبح هناك تقرير سنوي معلن:
كم دخل للمجلس؟
كم أنفق؟
ماذا أنجز؟
كم حالة تمت مساعدتها؟
كم طالباً استفاد؟
كم أسرة استفادت؟
ما الاتفاقيات التي أبرمت؟
وما المشروعات التي لم تكتمل؟
هذا هو كشف الحساب الحقيقي.
رسالة إلى المجلس الجديد
أيها الإخوة والأخوات…
لقد فتحتم صفحة جديدة.
فلا تجعلوها صفحة لتصفية حسابات الماضي، بل صفحة لبناء المستقبل.
لا تجعلوا اختلاف الآراء سبباً للفرقة.
فالجالية ليست ملكاً لفرد، ولا لمجموعة، ولا لاتجاه.
الجالية ملك لأبنائها جميعاً.
والمجلس ليس فوق الجالية، وإنما هو في خدمة الجالية.
والمنصب ليس امتيازاً، وإنما تكليف.
واللائحة ليست نهاية الطريق، وإنما بدايته.
والانتخاب ليس انتصاراً لأحد، وإنما تفويض للعمل.
وأقولها بوضوح:
نريد مجلساً يسمع قبل أن يتحدث.
نريد مجلساً يفتح أبوابه قبل أن يطلب منه المواطن ذلك.
نريد مجلساً يعرف عدد طلابه، ويعرف مرضاه، ويعرف أسرَه المتعففة، ويعرف احتياجات شبابه ونسائه.
نريد مجلساً يملك الأرقام لا الانطباعات، والملفات لا الوعود، والمؤشرات لا الشعارات.
نريد مجلساً إذا اختلف أعضاؤه اختلفوا داخل المؤسسة، وإذا اتفقوا اتفقوا من أجل المواطن.
من الوفاق إلى الإنجاز
لقد نجح أبناء الجالية خلال الفترة الماضية في أن يجتمعوا بعد شتات، وأن يضعوا لائحة، وأن يقننوا العضوية، وأن يقدموا خدمات، وأن يجلسوا أمام حسابات مالية معلنة، وأن يختاروا قيادة ومكاتب تنفيذية.
وهذه ليست نهاية الطريق.
إنها البداية الحقيقية.
فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى عقل إداري، وروح جماعية، وشفافية، وانضباط، وتقييم مستمر.
وتحتاج قبل كل شيء إلى أن يتذكر الجميع أن المواطن السوداني في مصر لا ينتظر منا مزيداً من المسميات.
إنه ينتظر خدمة.
ينتظر أن يجد من يساعده في تعليم أبنائه.
ومن يرشده في إجراءاته.
ومن يقف معه في مرضه.
ومن يساند أسرته عند الحاجة.
ومن يفتح أمام شبابه أبواب التدريب والعمل.
ومن يحفظ للمرأة مكانتها.
ومن يحميه من الاستغلال.
ومن يسمع صوته.
وهنا فقط يصبح المجلس الأعلى للجالية مجلساً بالمعنى الحقيقي للكلمة.
فليكن شعار المرحلة القادمة:
من الوفاق إلى الإنجاز… ومن تعدد الجهود إلى وحدة المؤسسة… ومن خدمة المناسبات إلى خدمة مستدامة للجالية.
ولنجعل من المجلس الأعلى للجالية السودانية بمصر نموذجاً للعمل السوداني المؤسسي في الخارج؛ مؤسسة تجمع ولا تفرق، تنظم ولا تصادر، تخدم ولا تتعالى، وتفتح أبوابها لكل سوداني يريد أن يضع يده في يد أخيه من أجل غاية واحدة:
خدمة الإنسان السوداني… وحفظ كرامته… وتوحيد كلمته.
فالوطن فوق كل اعتبار،
والجالية بيت من بيوت الوطن،
ومن يخدم أبناءها بإخلاص إنما يخدم السودان من موقعه.
صفحة جديدة قد فُتحت…
فلنكتب عليها هذه المرة: الإنجاز.







إرسال تعليق