من يملك حق تحديد ما لا يجوز للسياسة أن تتلاعب به؟*

  • بتاريخ : 3 أكتوبر، 2026 - 10:15 ص
  • الزيارات : 4
  • بقلم / حيدر معتصم مدني
    “مديرمركز الخرطوم للحوار”

    الثابت والمتغير..

    كل دولة تحتاج إلى أشياء تتغير.
    وتحتاج، في الوقت نفسه، إلى أشياء لا تتغير كلما تغيرت الحكومة.
    فإذا كان كل شيء ثابتاً، ماتت السياسة.
    وإذا كان كل شيء متغيراً، لم تعد هناك دولة مستقرة يمكن أن تجري السياسة داخلها.
    وبين هذين الحدين تقع واحدة من أدق مسائل التأسيس:
    ما الذي ينبغي أن يكون ثابتاً؟
    و:
    ما الذي ينبغي أن يبقى متغيراً؟
    لكن هناك سؤالاً أسبق من السؤالين:
    من يملك أصلاً حق تحديد الثابت والمتغير؟
    فهنا، ربما أكثر من أي موضع آخر، يمكن أن تختبئ الأيديولوجيا داخل لغة الوطن، وتقدم ما تريده هي باعتباره من «ثوابت الأمة».
    ليست المشكلة في وجود الثوابت
    كل جماعة سياسية مستقرة تحتاج إلى أرضية لا يعاد التفاوض عليها مع كل صباح.
    لو أصبح وجود الدولة نفسها موضع تصويت يومي، فلن توجد دولة.
    ولو أصبحت الحقوق الأساسية رهينة لكل أغلبية انتخابية جديدة، فلن يشعر أحد بالأمان.
    ولو استطاعت كل حكومة أن تعيد تعريف قواعد انتقال السلطة بما يناسبها، فلن تكون هناك ديمقراطية حقيقية.
    إذن وجود الثابت ليس المشكلة.
    المشكلة هي:
    كيف يصبح الشيء ثابتاً؟
    هل لأنه قديم؟
    أم لأنه مقدس عند جماعة؟
    أم لأن حزباً قوياً فرضه؟
    أم لأن أغلبية صوتت عليه؟
    أم لأن سلطة عسكرية حمته؟
    أم لأن دستوراً كتبه؟
    أم لأن المجتمع أنتجه عبر عملية تأسيسية مشروعة باعتباره جزءاً من شروط عيشه المشترك؟
    هنا يكمن الفرق كله.
    *الثابت ليس ما أؤمن به أنا*
    يميل الإنسان بطبيعته إلى اعتبار ما يؤمن به أساسياً.
    الإسلامي قد يرى بعض قناعاته من ثوابت الدولة.
    والعلماني قد يفعل الشيء نفسه.
    والقومي.
    والليبرالي.
    واليساري.
    والمحافظ.
    وكل تيار يستطيع أن يقدم حججاً قوية في الدفاع عن رؤيته.
    لكن الدولة المشتركة لا تستطيع أن تبدأ من السؤال:
    ما الذي يعتبره كل تيار مقدساً؟
    لأننا إذا جمعنا مقدسات الأيديولوجيات كلها فلن نجد مجالاً للسياسة.
    وإذا اخترنا مقدسات أيديولوجيا واحدة وحولناها إلى ثوابت للدولة، فقد حولنا الدولة نفسها إلى مشروع انتصار أيديولوجي.
    وهنا ينبغي أن نميز بين:
    الثابت التأسيسي
    و:
    الثابت الأيديولوجي.
    الأول ينشأ من حاجة المجتمع إلى حماية وجوده المشترك.
    أما الثاني فينشأ من داخل منظومة فكرية بعينها.
    وللإنسان كامل الحق في التمسك بثوابته الفكرية.
    لكن ذلك لا يجعلها تلقائياً ثوابت ملزمة للدولة كلها.
    الثابت ليس نقيض التغيير
    حين نقول «ثابت» قد يتبادر إلى الذهن شيء جامد لا يمكن مراجعته إلى الأبد.
    وهذا ليس ما نقصده.
    فالمجتمعات تتغير.
    والأجيال تتغير.
    والمعارف تتطور.
    والظروف تتبدل.
    ولذلك فالثابت التأسيسي ليس بالضرورة:
    ما لا يتغير أبداً.
    بل هو، بصورة أدق:
    ما لا يجوز للسلطة السياسية العادية أن تغيره بإرادتها المنفردة.
    وهذا تعريف مهم.
    فقد يستطيع المجتمع نفسه، عبر آلية تأسيسية أعلى وأكثر صعوبة واتساعاً، أن يعيد النظر في بعض ما سبق أن توافق عليه.
    لكن الحكومة لا تستطيع ذلك وحدها.
    والحزب لا يستطيع.
    والرئيس لا يستطيع.
    والبرلمان بأغلبيته العادية لا ينبغي أن يستطيع تغيير كل شيء لمجرد أنه يملك أصواتاً أكثر.
    إذن الثبات هنا ليس تحنيطاً للتاريخ.
    بل حماية للمجال التأسيسي من تقلب السلطة السياسية.
    والمتغير ليس أقل أهمية
    في المقابل، ينبغي ألا ننظر إلى المتغير باعتباره شيئاً ثانوياً.
    المتغير هو مجال السياسة الحقيقي.
    كيف ندير الاقتصاد؟
    كيف نمول التعليم؟
    ما حجم الضرائب؟
    كيف ننظم الاستثمار؟
    ما أولويات التنمية؟
    ما السياسات الزراعية والصناعية؟
    كيف ندير العلاقات الخارجية داخل محددات المصلحة الوطنية؟
    ما البرنامج الأفضل للصحة؟
    كيف نوزع الإنفاق العام؟
    هذه وغيرها هي المساحة التي ينبغي أن تتنافس فيها الأحزاب.
    هنا يقدم الإسلامي برنامجه.
    ويقدم العلماني برنامجه.
    ويقدم الليبرالي واليساري والقومي وغيرهم برامجهم.
    ويختار المجتمع.
    ثم يحاسب.
    ثم يغير اختياره.
    فإذا أخطأنا وحولنا هذه المسائل إلى ثوابت، قتلنا السياسة.
    *السياسة تبدأ حيث ينتهي* *التأسيس*
    يمكن إذن صياغة قاعدة:
    التأسيس يحدد حدود الملعب، والسياسة تتنافس داخله.
    العقد الاجتماعي لا ينبغي أن يحدد من يفوز بالمباراة.
    ولا كيف يلعب كل فريق.
    ولا البرنامج الذي يجب أن تتبعه كل حكومة.
    وظيفته أن يحدد:
    من يستطيع الدخول إلى الملعب، وما القواعد الأساسية، وما الذي لا يستطيع اللاعب تغييره لمجرد أنه فاز بالمباراة.
    ومن هنا نفهم معنى قولنا:
    السياسة الحقيقية تبدأ بعد الاتفاق على الدولة.
    ليس لأن الاختلاف ينتهي.
    بل لأن الاختلاف ينتقل من:
    الصراع على الدولة
    إلى:
    التنافس داخل الدولة.
    اختبار بسيط للتمييز
    يمكن أن نبدأ بمعيار أولي:
    هل يمكن أن نختلف حول هذه القضية، ويتغير القرار بشأنها، دون أن يشعر جزء أصيل من المجتمع أن وجوده أو حقوقه الأساسية أو شراكته في الدولة قد أُلغيت؟
    إذا كانت الإجابة نعم، فنحن على الأرجح أقرب إلى المتغير السياسي.
    أما إذا كان تغييرها يعني أن جزءاً من المجتمع لم يعد شريكاً أصيلاً، أو أن السلطة أصبحت غير قابلة للتداول، أو أن الدولة فقدت قواعد وجودها المشترك، فنحن نقترب من المجال التأسيسي.
    لكن هذا ليس اختباراً آلياً.
    إنه أداة للتفكير.
    لأن القضايا الكبرى لا يمكن اختزالها في معادلة حسابية.
    الحقوق ليست جائزة انتخابية
    لنأخذ مثالاً واضحاً.
    إذا فاز حزب بنسبة كبيرة من الأصوات، فهل يستطيع أن يقرر أن جزءاً من المواطنين أصبح أقل مواطنة من غيره؟
    إذا قلنا نعم، فإن الحقوق أصبحت جائزة انتخابية.
    وهذا يهدم معنى الدولة المشتركة.
    الفوز يعطي الحزب حقاً في الحكم.
    لكنه لا يعطيه حقاً في تحديد من يستحق أن يكون مواطناً كاملاً وفق ولائه له أو لهويته الأيديولوجية.
    ومن هنا فإن المساواة في أصل المواطنة والكرامة والحقوق الأساسية ليست مجرد برنامج حزبي يتغير كل أربع سنوات.
    إنها من الشروط التي تجعل المنافسة السياسية نفسها ممكنة.
    لكن من يحدد الحقوق؟
    وهنا قد يقول قائل:
    أنتم أيضاً بدأتم تقدمون قائمة للثوابت.
    وهذا اعتراض مشروع.
    لذلك ينبغي أن نعود إلى القاعدة الأصلية:
    لسنا بصدد كتابة العقد الاجتماعي نيابة عن المجتمع.
    يمكن للفكر أن يقدم معايير.
    ويمكن للتجربة الإنسانية والقانونية أن تقدم خبرات.
    ويمكن للأديان والفلسفات والثقافات أن تقدم قيماً.
    لكن تحويل أي منها إلى التزام تأسيسي سوداني يحتاج إلى عملية مجتمعية مشروعة.
    مشروعنا لا ينبغي أن يقول للسوداني:
    هذه هي الدولة التي يجب أن تقبلها.
    بل:
    هذه هي الأدوات التي تمكنك، مع بقية السودانيين، من تأسيس الدولة التي تستطيعون جميعاً أن تكونوا شركاء فيها.
    *الهوية: ثابت أم متغير؟*
    هنا تظهر واحدة من أكثر القضايا حساسية.
    هل الهوية ثابت؟
    السؤال نفسه قد يكون مضللاً إذا لم نحدد المقصود بالهوية.
    هناك هويات دينية.
    وثقافية.
    ولغوية.
    ومحلية.
    وقبلية.
    وإقليمية.
    وفكرية.
    وكلها تتحرك وتتفاعل وتتغير بدرجات مختلفة.
    لكن الدولة تحتاج إلى هوية وطنية جامعة لا بمعنى محو هذه الهويات، وإنما بمعنى وجود رابطة تجعل أصحابها جميعاً شركاء في المجال الوطني.
    وهنا تصبح الهوية الوطنية الجامعة أقرب إلى:
    مرجعية وجودية للشراكة
    لا:
    برنامج أيديولوجي للدولة.
    أي أنها تجيب عن:
    من نحن في علاقتنا ببعضنا داخل هذا الوطن؟
    ولا ينبغي أن تتحول إلى أداة للإجابة عن:
    كيف يجب أن يفكر كل واحد منا؟
    *الدين: أين يقع؟*
    وهنا تظهر قضية أخرى شديدة الحساسية في السودان.
    الدين مكوّن عميق في المجتمع، ولا يمكن اختزاله في قرار سياسي.
    وفي الوقت نفسه، فإن تحويل رؤية حزب ديني بعينها إلى تعريف ملزم للدولة يعيدنا إلى أدلجة التأسيس.
    وكذلك فإن تحويل تصور فلسفي علماني بعينه إلى حقيقة تأسيسية مفروضة على المجتمع يطرح المشكلة نفسها من الاتجاه المقابل.
    إذن السؤال التأسيسي ليس:
    من ينتصر: الإسلاميون أم العلمانيون؟
    بل:
    كيف ينتج المجتمع إطاراً يحدد علاقته بالدين بما يحفظ مكوناته وهويته وحقوق مواطنيه، دون أن تحتكر أيديولوجيا بعينها حق تعريف الدولة؟
    وهذا مثال واضح على الفرق بين إنتاج المجتمع لثوابته وبين استيلاء الأيديولوجيا عليها.
    حتى شكل الدولة يحتاج إلى تدقيق
    هل الفدرالية ثابت؟
    هل عدد الأقاليم ثابت؟
    هل النظام رئاسي أم برلماني؟
    هل عدد غرف البرلمان ثابت؟
    ليس كل ما يبدو مهماً تأسيسياً بالضرورة ثابتاً بالدرجة نفسها.
    قد يكون المبدأ تأسيسياً، بينما تكون آلية تطبيقه متغيرة.
    مثلاً:
    قد يتوافق المجتمع على مبدأ توزيع السلطة وعدم احتكارها مركزياً باعتباره قيمة تأسيسية.
    لكن عدد مستويات الحكم وحدود الوحدات الإدارية وتفاصيل الصلاحيات قد تبقى قابلة للمراجعة.
    وهنا نكتشف أن الثابت والمتغير ليسا دائماً صندوقين منفصلين.
    قد يكون لدينا:
    مبدأ ثابت
    و:
    آلية متغيرة لتحقيقه.
    وهذه إضافة مهمة.
    الثوابت درجات
    ومن هنا ربما ينبغي أن نتخلى عن تصور أن كل الثوابت متساوية.
    هناك ما يرتبط بأصل وجود المجتمع والدولة.
    وهناك ما يرتبط بحقوق الإنسان والمواطنة.
    وهناك مبادئ دستورية حاكمة.
    وهناك ترتيبات مؤسسية أكثر قابلية للمراجعة.
    إذن نحن أمام طبقات من الثبات، لا قائمة مسطحة.
    وكلما اقترب الأمر من أصل الشراكة والحقوق الأساسية، ارتفع مستوى الحماية المطلوبة.
    وكلما اقترب من السياسات والوسائل والآليات، اتسعت مساحة التغيير السياسي.
    وهذا يسمح للدولة بأن تكون:
    مستقرة دون جمود،
    و:
    متغيرة دون تفكك.
    الثابت يحتاج إلى حماية من الأغلبية… ومن الأقلية أيضاً
    كما لا ينبغي للأغلبية أن تستولي على الثابت، لا ينبغي لجماعة صغيرة أن تمنح نفسها حق تعريفه أو تعطيله إلى الأبد.
    فالتوافق ليس فيتو دائماً.
    والحماية من استبداد الأغلبية لا تعني استبداد الأقلية.
    لذلك تحتاج العملية التأسيسية إلى آليات تحقق أمرين معاً:
    اتساع الرضا
    و:
    إمكان اتخاذ القرار.
    وهذا تحدٍّ هندسي سنحتاج إلى معالجته لاحقاً عندما ننتقل من النظرية إلى كيفية مأسسة المجتمع.
    ومن يملك تعديل الثابت؟
    إذا كان الثابت لا يعني الأبدي، فلا بد من طريق لتعديله.
    لكن الطريق لا ينبغي أن يكون هو نفسه طريق تعديل قانون عادي.
    فالقاعدة هنا بسيطة:
    كلما كان الشيء أقرب إلى أصل العقد، وجب أن تكون سلطة تعديله أقرب إلى صاحب العقد.
    أي المجتمع.
    ولذلك قد تحتاج بعض التغييرات الكبرى إلى:
    حوار مجتمعي واسع،
    وتمثيل تأسيسي،
    وأغلبية موصوفة،
    واستفتاء،
    أو مزيج من آليات متعددة يقررها النظام التأسيسي نفسه.
    المهم هو المبدأ:
    *من فوض لا يفقد حقه* *لمصلحة من فوضه*
    أخطر شيء: أن تحدد السلطة ما لا يجوز تغييره
    هنا نصل إلى المفارقة.
    إذا كانت الحكومة هي التي تحدد الثوابت، فقد جعلنا الوكيل يحدد حدود وكالة نفسه.
    وإذا كان الحزب الحاكم هو الذي يحددها، فقد أعطينا اللاعب حق رسم الملعب.
    وإذا كانت المؤسسة العسكرية تحددها، فقد حولنا القوة إلى مصدر للتأسيس.
    وإذا كان الخارج يحددها، فقد نقلنا السيادة التأسيسية خارج المجتمع.
    وإذا حددها المفكرون وحدهم، فقد استبدلنا النخبة السياسية بنخبة فكرية.
    إذن لا يكفي أن تكون الثوابت «جيدة».
    السؤال هو:
    من أنتجها؟
    فالشرعية التأسيسية لا تتعلق بالمضمون وحده.
    بل تتعلق كذلك بمصدره وطريقة إنتاجه.
    هنا نفهم معنى «أدلجة الوطن»
    حين تدخل الأيديولوجيا إلى مجال السياسة، فهي طبيعية ومشروعة.
    لكن حين تعبر من السياسة إلى التأسيس وتحاول تحويل رؤيتها الخاصة إلى تعريف للوطن، يحدث ما يمكن أن نسميه:
    أدلجة الوطن.
    بدلاً من أن تكون الأيديولوجيا:
    قيمة تعمل داخل قامة الوطن،
    تحاول أن تصبح:
    القامة التي يقاس بها الوطن نفسه.
    وهنا يبدأ الصراع الوجودي.
    لأن هزيمة الأيديولوجيا في الانتخابات تصبح عند أصحابها هزيمة لتعريف الدولة.
    وانتصار الخصم يصبح تهديداً لوجودهم.
    وهكذا تتحول السياسة من منافسة إلى معركة بقاء.
    ومن هنا نفهم «توطين الأيديولوجيا»
    البديل ليس طرد الأيديولوجيا من المجتمع.
    ولا إلغاء الإسلاميين.
    ولا العلمانيين.
    ولا اليساريين.
    ولا الليبراليين.
    ولا غيرهم.
    بل:
    توطين الأيديولوجيا.
    أي أن تخضع كل الأيديولوجيات للمجال الوطني المشترك الذي أنتجه المجتمع.
    فتصبح:
    الأيديولوجيا داخل الوطن
    بدلاً من:
    الوطن داخل الأيديولوجيا.
    وعندها يستطيع كل تيار أن ينافس، ويفوز، ويحكم، ويخسر، ويعود مرة أخرى، دون أن تتحول كل دورة سياسية إلى معركة لإعادة تأسيس السودان من جديد.
    *الثابت يحمي المتغير*
    قد يبدو أن الثابت يقيد السياسة.
    لكن الحقيقة أن الثابت الصحيح هو الذي يحرر السياسة.
    لأن السياسي عندما يعرف أن خسارته الانتخابات لن تلغي وجوده، يستطيع أن يقبل الخسارة.
    والمواطن عندما يعرف أن حقوقه لن تختفي بتغير الحكومة، يستطيع أن يغامر بالتغيير.
    والحزب عندما يعرف حدود سلطته، يستطيع أن يقدم برنامجاً جريئاً داخلها.
    والجيش عندما يعرف اختصاصه، لا يحتاج إلى تعريف دوره كلما وقعت أزمة سياسية.
    إذن الثابت ليس عدواً للمتغير.
    بل:
    الثابت هو الضمانة التي تجعل المتغير آمناً.
    والدولة التي لا تعرف ثوابتها تعيد تأسيس نفسها كل صباح
    إذا لم نميز بين الثابت والمتغير، تصبح كل انتخابات مؤتمراً دستورياً.
    وكل ثورة عملية تأسيس جديدة.
    وكل انقلاب تعريفاً جديداً للدولة.
    وكل اتفاق سياسي عقداً اجتماعياً مزعوماً.
    وكل حرب فرصة لإعادة توزيع ملكية الوطن.
    وعندها لا تتراكم الدولة.
    بل تبدأ من الصفر في كل مرة.
    وربما كان جانب مهم من مأساة السودان هو أنه ظل يدور طويلاً حول سؤال:
    من يملك حق تعريف الدولة؟
    بينما كان ينبغي أن يكون السؤال قد خرج من مجال الصراع السياسي منذ البداية.
    من يملك السودان؟
    نعود الآن إلى سؤال السلسلة الأول.
    إذا كان المجتمع هو صاحب الدولة، فإن الإجابة تصبح أكثر وضوحاً:
    المجتمع يملك حق التأسيس.
    ومن خلال عقده يحدد المجال الثابت.
    ثم يفوض الدولة.
    وتنشأ السلطات.
    وتبدأ السياسة.
    وتتنافس الأحزاب داخل المجال المتغير.
    وعندما تتجاوز السياسة حدودها وتحاول الاستيلاء على الثابت، يصبح المجتمع هو الحارس.
    وهكذا تكتمل علاقة جديدة:
    المجتمع يؤسس.
    الدولة تنظم.
    السلطة تنفذ.
    السياسة تتنافس.
    والمجتمع يحرس.
    لكننا وصلنا إلى سؤال جديد
    إذا كان السياسي لا يملك الثابت، وإذا كان المجتمع هو صاحب الحق في إنتاجه، فما الذي يحدث عندما تجلس القوى السياسية إلى طاولة تفاوض وتبدأ في تقرير مسائل تقع في أصل تأسيس الدولة؟
    وماذا يحدث عندما تصبح تلك الطاولة هي المساحة التي يقرر فيها:
    من هو السودان؟
    وما هويته؟
    وما مصادر شرعيته؟
    وما طبيعة دولته؟
    وما موقع مؤسساته؟
    ثم تسمى النتيجة:
    «عملية سياسية»؟
    هنا لا تعود المشكلة فقط في مضمون ما اتُفق عليه.
    بل تظهر مشكلة أسبق:
    هل يملك المتفاوضون أصلاً حق التفاوض على هذه المسائل؟
    وهنا ننتقل من سؤال:
    الثابت والمتغير
    إلى سؤال:
    التأسيس والسياسة.
    ومن هنا يبدأ المقال السادس:
    قبل العملية السياسية
    متى تبدأ السياسة… ومن يملك ما قبلها؟
    فربما كانت واحدة من أكبر مشكلات السودان أننا حاولنا طويلاً أن نحل أسئلة التأسيس بأدوات السياسة، ثم تعجبنا لأن الاتفاق السياسي لم ينهِ الصراع على الدولة.