بقلم /يسرية محمد الحسن
“إعلامية، مراسلة سابقة لعدد من الصحف الاجنبية”
ذات صباح جميل من صباحات هنا أم درمان، وكنت أتهيأ لاستلام نشرة العاشرة صباحًا من قسم الأخبار. طلب مني رئيس القسم أن أجلس قليلًا ريثما يراجع هو النشرة المراجعة الأخيرة قبل أن يسلمها لي. كان يجلس بالقرب من أحد المحررين شاب صغير السن يطالع مع المحرر خبرًا ما، رفع عينيه ينظر إلي بتوجس ربما! فقد لم أستطع حينها قراءة (كلام) عينيه الصغيرتين أو أفسر هذه النظرات الخجولة كما اعتقدت. استلمت النشرة وخرجت باتجاه الاستوديو. دقت شارة الوقت معلنة العاشرة صباحًا. هنا أم درمان. إذاعة جمهورية السودان. الساعة الآن العاشرة صباحًا، موعد نشرة الأخبار الصباحية. تقرؤها عليكم… رفعت رأسي تجاه غرفة الكنترول، مع الفني محمود الأمين، فإذا بي أرى ذاك الصبي واقفًا بجواره يستمع إلي. أكملت قراءة الأخبار وقدمت الفقرة التالية من البرنامج اليومي الموضوع أمامي على الطاولة. خرجت لإعادة أوراق النشرة إلى قسم الأخبار، ومازال ذاك الصبي اليافع داخل غرفة الكنترول. دار بيني وبينه هذا الحديث:
– السلام عليكم.
– وعليك السلام. ممكن أعرف أنت بتعمل شنو هنا؟
– أنا مقدم لوظيفة مذيع…
قاطعته والدهشة تملكتني تمامًا:
– أنت يا ولد، لسه صغير، ما بياخدوك.
نظر إلى أرضية الاستوديو وقال:
– أجريت لي الاختبارات اللازمة مع الدفعة الأخيرة المتقدمة للعمل بالإذاعة.
– والنتيجة؟
– طلعت الأول!
عقدت الدهشة لساني:
– أنت تدربت على يدي الأساتذة صالحين ومحمد صالح فهمي وكمال محمد الطيب وفهمي بدوي و…
قاطعني:
– والاستاذ عبد الوهاب أحمد صالح وأحمد عبد المجيد وحمدي بولاد.
!!! لله في خلقه شؤون! أسررت بها في نفسي، ومازالت الدهشة تتملكني تمامًا.
علمت من الزملاء والزميلات، حين قصصت عليهم حكاية ذاك اليافع، كان جلوسًا بيننا. الزميل عوض إبراهيم عوض (دفعة). تبسم عوض قائلًا:
– يا يسرية، الفتى الصغير ده اسمه فيصل عبد الله، بيقرا أولي في جامعة القاهرة الفرع، صاحبني لأني أنا في تالتة حقوق، وهو ذاتو بيستمع لي في الإذاعة وبشوفني في نشرات الأخبار في التلفزيون. هو ذاتو في حقوق وصاحبني. وجاء يوم يزورني في الإذاعة، ولأني عارفو شاطر ومبرز، كان هناك تقديم لمذيعين. أشَرت عليه أن يقدم، وقد كان. تصوري، طلع الأول وبامتياز على 259 متقدمًا، فيهم قضاة ومحامين وأطباء!!
عقدت الدهشة لساني للمرة الألف! جدول المذيعين الجديد كان اسمه ضمن المذيعين للتدريب العملي. داخل الاستوديو، ولحكمة يعلمها الله، إذا بي أجده المذيع المتدرب معي في الورديات كلها. عند تنفيذي للوردية الأولى لي بالشهر الجديد، كان طالب الحقوق والمذيع الجديد تحت التدريب حاضرًا بغرفة الأخبار، وقد سبقني إليها، أخذ مقعده بجواري، يراجع معي النشرة سطرًا بسطر وجملة جملة بالضبط اللغوي. يا للدهشة، وكأنه أستاذ للغة العربية!
مرت الأيام والأسابيع والشهور، والمتدرب فيصل عبد الله ينفذ وبدقة كل ما أطلبه منه داخل الاستوديو. كبير المذيعين عبد الوهاب أحمد صالح ما كان ليرضى لأي متدرب بقراءة نشرات الأخبار المحلية إلا بعد إكمال مدة التدريب المتعارف عليها بعام كامل داخل استوديو البث، يقدم الفواصل الغنائية وفقرات البرنامج اليومي بجانب المذيع ال (ماستر) وتحت إشرافه.
حدث ذات صباح ونحن بالاستوديو ننفذ وردية الصباح، أن شعرت بألم مفاجئ وغثيان… رقدت على أرضية الاستوديو أتلوى من الألم. ممنوع منعا باتًا لأي مذيع مغادرة استوديو البث المباشر لأي سبب من الأسباب. أزف موعد استلام نشرة العاشرة، ومازال المتدرب فيصل عبد الله لم يكمل المدة المتعارف عليها والقانونية. نظرت إليه قائلة:
– امشي يا فيصل، شيل النشرة وراجعها، أنت حتقراها بدلا عني.
لمعت عيناه، لكنه بادرني قائلًا:
– الاستاذ عبد الوهاب بيزعل، وربما قام بطردي من الإذاعة، أنا المسؤولة.
– لن يسألك أنت، تحرك، الزمن ما فيه الصالح، وتوكل على الله.
شارة ضبط الوقت دقت معلنة العاشرة صباحًا، موعد نشرة الأخبار.
من ميزات الأساتذة صالحين وكبير المذيعين أنهما يتابعان متابعة دقيقة لكل ما يبث من راديو أم درمان الإذاعي، دقيقة بدقيقة، من خلال أجهزة راديو صغيرة يحملانها معهما في أي مكان.
هنا أم درمان. إذاعة جمهورية السودان. سيداتي سادتي، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، من أم درمان إليكم نشرة الأخبار، يقرؤها عليكم فيصل عبد الله.
يا الهي! ما هذا الصوت القوي الجميل وهذه الثقة بالنفس المبالغ فيها! و… لم تمض دقتين حتى امتلأت غرفة الكنترول بالقيادات العليا للإذاعة، يتقدمهم صالحين المدير العام! واصل فيصل تقديم النشرة بهذا الإلقاء المبهر والصوت القوي الرائع والجميل. انتهت النشرة، ودع فيصل المستمعين، وفي الحين شعار المحطة والفقرة التالية من البرنامج.
دخل كل هؤلاء المسؤولين الاستوديو، منهم من قام بالتصفيق، والمفاجأة أن ساقه صالحين من يده وخرج. سألني عبد الوهاب كبير المذيعين:
– لماذا تخطيته وأذنت للمتدرب بقراءة النشرة؟
ولم… لم تشفع لي حالتي التي أنا عليها. كبير المذيعين عبد الوهاب أحمد صالح لا يتهاون أبدًا في أي تجاوز يصدر من أي جهة كانت. النتيجة إيقافي عن العمل مدة شهر!
وكانت المفاجأة السارة والسعيدة أن أمر صالحين بوضع اسم المتدرب فيصل عبد الله في نشرات الأخبار قارئ أول لنشرات الأخبار الرئيسية بالإذاعة.
كنت من أكثر الزملاء سعادة بذلك القرار المنصف من الاستاذ صالحين، الذي حاضرنا بقوله:
– صوت المذيع فيصل عبد الله من أجمل الأصوات في راديو أم درمان في الفترة الأخيرة، جنبًا إلى جنب مع فطاحلة المذيعين الكبار في ذياك الزمان.
دارت الأيام، ونجم كلمتنا من تفوق إلى آخر، ومن نجاح إلى نجاح، تسابق عليه مخرجو ومعدو البرامج، كل يطلبه لتقديم برنامجه. في فترة وجيزة جدًا، أصبح المذيع الأول والشامل على دفعته. قدم العديد والكثير جدًا من برامج المنوعات والبرامج الجماهيرية والصباحية والسهرات المنوعة. كان شريكًا لي في تقديم البرنامج الأشهر اليومي “عالم الرياضة” الذي يعده الهرم الكبير والرياضي المعتق عبد الرحمن عبد الرسول. (الكتوف اتلاحقت) بل سبقني بسنوات ضوئية في التنافس الشريف.
تخرج من كلية الحقوق جامعة القاهرة الفرع بدرجة الشرف، واصل دراساته الأكاديمية، فحصل على درجة الماجستير والدكتوراه، والأخيرة كانت عن القوانين المقارنة. وضع نسختين منها، الأولى تحت قبة البرلمان السوداني، والثانية طلبها د. أمين حسن عمر أبان توليه رئاسة الهيئة.
السودانية للاذاعة والتلفزيون. له العديد من المؤلفات في صناعه المذيع وكتابه النصوص الاذاعيه محاضرا بالعديد من الجامعات بالسودان . عشق المهنه يجري في عروقه اخر اعماله الفنيه الابداعيه بالاذاعه السودانيه. البرنامج الكبير حكايات صغيره الذي اختارني لاشاركه في التقديم قدمت معه اربع سهرات لشهر رمضان قبيل اندلاع الحرب مع الهرم الشرطي الكبير الفريق اول محجوب حسن سعد كانت توثيقيه للرجل في مجاله من اجمل ماقدم خلال الشهر الفضيل تحدث فيها سعاده الفريق عن مسيرته الطويله والممتازه في سلك الشرطه كانت بحق محاضرات مجانيه لمنسوبي الشرطه الجدد
.د. فيصل عبد الله عبد العاطي مثال رااائع ونادر لكيفيه بلوغ المجد والتربع علي عرش الرياده والتميز والتفوق .طبقت شهرته الافاق وتحلق الملايين من عشاق الاذاعه السودانيه حول اجهزه الراديو للاستمتاع ببرامجه المتنوعه والعديده .وفي منحي اخر من حياته. افتتح مكاتب للمحاماه والي يوم الناس هذا. لم يخسر قضيه واحده طوال مشواره في سلك المحاماه . د. فيصل عبد الله عبد العاطي ابن من ابناء السودان العظماء .











إرسال تعليق