بقلم / الطيب شيقوق- المحامي والمستشار القانوني
أحسب أن هذا المقال من المقالات التي تستحق التوقف عندها، ليس فقط لما تضمنه من نقد لظاهرة التخوين والتعميم في الخطاب السياسي، وإنما لأنه يطرح سؤالاً أكثر أهمية: متى نتعلم أن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة مع الوطن؟ وقد نشر المقال موضوعه في 28 سبتمبر 2026 بعنوان «لقد وعينا الدرس… ليس كل “كوز” فاسد، وليس كل “قحاتي” عميل خائن».
لقد أصاب الكاتب في التنبيه إلى خطورة تحويل المنافس السياسي إلى عدو، وإلى أن الاتهام لا يصبح دليلاً لمجرد تكراره، وأن الفساد أو الجرائم أو غيرها من الاتهامات ينبغي أن تكون محل إثبات ومحاسبة عبر المؤسسات المختصة، لا عبر منصات التشهير وتبادل الاتهامات.
ولعل من أهم ما ينبغي أن نتعلمه من تجربتنا المريرة أن الانتماء السياسي لا ينبغي أن يكون حكماً مسبقاً على صاحبه؛ فلا يصح أن يصبح كل من ينتمي إلى تيار معين فاسداً بالضرورة، كما لا يصح أن يصبح كل من ينتمي إلى تيار آخر عميلاً أو خائناً بالضرورة. الحكم على الأشخاص ينبغي أن يكون من خلال مواقفهم وأفعالهم وما يثبت عليهم.
لقد كشفت لنا الحرب، بما خلّفته من مآسٍ ودمار، أن الوطن لا ينبغي أن يكون ميداناً لتصفية الحسابات السياسية، لأن المواطن هو أول من يدفع ثمن ذلك. ومن هنا تبرز الحاجة إلى ثقافة جديدة في الاختلاف؛ نختلف دون تخوين، وننتقد دون إساءة أو تشهير، ونطالب بالمحاسبة دون أن تتحول إلى انتقام. فهذه ليست مجرد قيم مثالية، وإنما شروط أساسية لحماية المجتمع وإعادة بناء الدولة على أسس أكثر تماسكاً وعدلاً.
والسودان اليوم أحوج ما يكون إلى سياسيين يختلفون في الرؤى والبرامج، لكنهم يتفقون على حرمة الدم، ووحدة الوطن، وسيادة القانون، وحق المواطن في الأمن والكرامة. فالمنافسة السياسية الحقيقية لا تقوم على إسقاط الآخر لمجرد أنه خصم، وإنما على تقديم ما هو أفضل للناس، وعلى أن تكون صناديق الاقتراع والوسائل المشروعة هي الحكم بين المتنافسين.
كما أن الدعوة إلى عدم التعميم لا تعني بأي حال إسقاط المحاسبة. فمن ثبت فساده فليحاسب، ومن ارتكب جريمة فليواجه القضاء، ومن توافرت بحقه أدلة على أي فعل مجرّم فليتحمل مسؤوليته وفق القانون. العدل لا يحمي الفاسد، كما أن الخصومة السياسية لا تبرر ظلم البريء.
ومن هنا تأتي أهمية المقال؛ فهو لا يدعو إلى نسيان الماضي أو تجاوز الأخطاء، وإنما يلفت النظر إلى ضرورة أن تكون المحاسبة قائمة على الدليل، وأن يكون الاختلاف السياسي محكوماً بالأخلاق، وأن نتوقف عن صناعة عداوات وهمية بين أبناء الوطن الواحد.
التحية للأستاذ أحمد يوسف التاي على هذا الطرح، وعلى شجاعته في طرق باب حساس من أبواب أزمتنا السياسية والاجتماعية. فالقلم المسؤول ليس هو الذي يصفق لهذا الطرف أو يهاجم ذاك، وإنما الذي يضع الحقيقة أمام الجميع، وينتصر لقيمة الوطن قبل انتصاره لأي جماعة أو تيار.
لقد حان الوقت لأن نتعلم من هذه التجربة القاسية. فليختلف السياسيون كما يشاؤون، ولكن ليظل السودان هو المساحة التي تجمعهم، وليكن القانون هو الفيصل، لا التخوين والتشهير والعنف.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي لا تحتاج إلى كثير من الجدل : الأحزاب تتغير، والقيادات تتبدل، والحكومات تذهب وتأتي، لكن السودان وطن لا يملك شعبه بديلاً عنه.







إرسال تعليق