الحوار السياسي بين الشعار و غياب الرؤية

  • بتاريخ : 29 سبتمبر، 2026 - 5:40 ص
  • الزيارات : 7
  • بقلم / زين العابدين صالح عبد الرحمن

    “خبير إعلامي- باحث في الشأن السياسي”

    مضى أكثر من شهر عندما أعلن رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان في 14 أغسطس 2026م قبوله لميادرة للحوار الوطني، و وجوب الترتيب له في عدة محطات، و كان البرهان قد أكد التزامهم بتنفيذ مخرجات الحوار السوداني – سوداني ثم قدم ضمانات قانونية و أمنية و حتى شطب بلاغات المقيمين في الخارج، يهدف إلي إتاحة الحوار الوطني داخل السودان.. و بعض من أعضاء اللجنة يتواجدون في الخرطوم و البقية الأخرى ظلت في القاهرة..

    أعلنت لجنة الحوار في مؤتمرها الصحفي، و الذي عقدته بالخرطوم في 31 أغسطس 2026م، بدء أعمالها بهدف توحيد الصف السوداني.. و تهيئة مناخ الحوار و التشاور و بناء الثقة.. لكن أتضح إن اللجنة لا تملك رؤية للحوار.. و كانت السلطة قدمت للجنة مبنى تدير من خلاله عملها، و قسمت نفسها إلي مجموعتين.. الأولي المجموعة السياسية التي تلتقي بالأحزاب و النقابات و الاتحادات المهنية غيرها. و الثانية اللجنة الاجتماعية تختص باللقاء مع زعماء القبائل و الطرق الصوفية إلي جانب رجالات الإدارة الأهلية.. لكن تجد الغائب هي فئة الشباب من الجنسين و دورهم الذي يجب أن يكون حجر الزاوية في الحوار، خاصة أن الشباب الأقدر فاعلية في أية عمل سياسي اجتماعي..

    عقدت مكاتب اللجنة حوارات مع عدد من القوى السياسية، و تكوينات أجتماعية، و قامت بزيارة لعدد من زعماء القبائل، و الطرق الصوفية، لكن العديد من الذين تم الاجتماع معهم لم يستوعبوا ما هو دورهم المطلوب، و ما هو دور اللجنة في تهئية مناخ الحوار، فالفكرة غير واضحة، و كان المتوقع من عضوية اللجنة أن يكون لها تصور عام للمهمة التي تريد تنفيذها، و هي تحتاج إلي تصورات عامة.. و هناك العديد من المؤسسات ذات الصلة بالعمل الجماهيري، إذا كانت مراكز للدراسات و البحوث قطاع خاص، أو مراكز دراسات في الجامعات كان من المفترض أن يجرى معهم الإجتماع الأول بهدف وضع “خارطة للطريق” التي تسهل عملية الاتصال و الحوار و معرفة المطلوبات للنجاح..

    كان المتوقع: إن تجري اللجنة لقاءات مع الأحزاب، و تطلب من كل حزب أن يبعث أحد عضويته من الشباب، و الذين لهم خبرة و دراية و معرفة بالعمل الجماهيري في التعبئة و الحشد.. أن مشاركة الأحزاب بممثلين في العمل التحضيري، سوف يقوي العلاقة بين الحزب و لجنة الحوار، و لا تتردد في تقديم التصورات التي تفيد نجاح عمل اللجنة.. القضية الأخرى أن وجود الشباب يساهم في عملية التعبئة و الحشد الجماهيري المطلوب للعملية السياسية، فالعمل نفسه يمثل مدخلا للحوار المتواصل بين المكونات المختلفة.. لكن إذا اعتقدت عضوية اللجنة هي التي يجب أن يقع عليها عبء العمل، و تصبح المسألة كلها القيام بزيارات اجتماعية لعدد من الولايات، دون أن تكون على دراية بالمطلوبات المراد الوصول إليها، تصبح المسألة مضيعة للوقت و تكلفة للدولة غير مرغوب فيها..

    من خلال المسارات التاريخية للعمل السياسي و الوطني، تجد أن التعامل مع قيادات القبائل و الطرق الصوفية و قيادات الإدارة الأهلية، و هؤلاء لا يحتاجون إلي تعبئة و اتصالات متواصلة، لأنهم أكثر حرصا على المشاركة في القضايا التي تتعلق بالقضية الوطنية، و خاصة المرتبطة بمؤسسات الدولة، و يعتبر هؤلاء أصلا أدوات للتعبئة و الحشد الجماهيري، و في نفس الوقت هم يعرفون كيف يملأون مساحات مشاركتهم و نجاح العمل الذي يدعون إليه..

    كان على اللجنة أن تستفيد من الرصيد المالي الذي تم تخصيصه للمواصلات بهدف زيارة الإدارات الأهلية و قيادات الصوفية و المجتمع، بعمل ندوات تنويرية للشباب في نوادي الأحياء، تهدف من أجل المفاكرة و تبادل الأراء، و الشباب يمتلكون أفكارا جيدة و عندهم إرادة قوية للحوار، و تقديم مقترحات تساعد على نجاح الحوار القومي.. يعتبر الشباب عماد مستقبل البلاد، و قد قدموموا تضحيات كبيرة في الحرب الدائرة، و خدمات في التكايا في الأحياء.. إن الالتقاء مع الشباب في الخرطوم وضواحيها و في الأقاليم، هي الفكرة التي تنقل الحوار لللبناء و استقرار البلاد و المحافظة على أمنها.. فبداية الحوار التحضيري مع الشباب يصبح محفز لمشاركة القوى السياسية، و خروجها من أجندة المصالح الذاتية لمحاصصات إلي قضايا وطنية.. كما أن الشباب في حاجة للخروج من إرث الفشل السياسي في البلاد..

    إن اللجنة؛ إذا نظرت إلي مستقبل السياسة في السودان، يجب أن يكون وجهتها هم شباب البلاد، و تبدأ زيارتهم في الأحياء و ضواحي العاصمة في كل الاتجاهات الأربعة.. إن القيادات السياسية التي أدمنت الفشل، و تملك حساسيات عالية ضد بعضها البعض، لا تستطيع أن تخرج من شرنقة إرث الماضي، فالشباب وحدهم القادرين على تغيير المسار السياسي لمصلحة الوطن.. نسأل الله حسن البصيرة..