بقلم / بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم إبراهيم
(محافظ بنك السودان المركزي السابق)
أثار حفيظتي مقال رصين للأخ الأستاذ الخضر الأمين مدير شركة الفال للتمويل الأصغر بعنوان “ريادة الأعمال: بين بريق “الفنتازيون” وصمود “الواقعيون”. يشير المقال إلى أن عالم ريادة الأعمال أصبح مشبعًا بالظهور الإعلامي والقصص اللامعة، ما أنتج فئة من “الفنتازيين” الذين يركزون على الصورة والكلمات أكثر من المنتج والعمل الواقعي، مما يؤدي إلى استنزاف الموارد وفشل المشاريع. بالمقابل، يبرز “الواقعيون” كصناع نجاح صامتين، يركزون على تطوير المنتجات، وفهم العملاء، وإدارة الموارد بحكمة، و يتسمون بالمرونة والمثابرة. التجربة العالمية والإقليمية تشير إلى أن النجاح الريادي الحقيقي لا يتحقق بالشعارات أو الولاء للأيديولوجيات الاقتصادية، بل بالعمل الدؤوب، والابتكار العملي، وبناء أساس متين للشركة يحقق الاستدامة والقيمة الحقيقية للمجتمع. المستقبل الحقيقي لريادة الأعمال يقوم على الفعل والتحليل، لا على المظاهر والخطب الرنانة.
في عصر تتسابق فيه الشعارات وتتعالى الوعود الكبيرة، يبرز دور فئة نادرة من الناس: أولئك الذين يعملون بصمت دون البحث عن الأضواء، لا يتحدثون كثيرًا، لكن إنجازاتهم تتحدث عنهم. هؤلاء، كما أطلق عليهم الأستاذ خضر الامين، هم “الواقعيون”، صُنّاع الفعل لا القول، وبناة الأساسات الصلبة التي تقوم عليها الأمم حين يهدأ الضجيج ويبدأ العمل الحقيقي. ففي عالم اعتدنا فيه الاحتفاء بالمظاهر، المؤتمرات، البيانات، والوعود المتكررة، يثبت هؤلاء أن التنمية لا تُصنع بالكلمات، بل بالعمل اليومي الصامت، بالإصرار على إصلاح التفاصيل الصغيرة التي يتجاهلها الآخرون، والقدرة على تحويل الموارد المحدودة إلى نتائج ملموسة. فهم لا ينتظرون الكمال، بل يعملون بما هو متاح لبناء الممكن، مدركين أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بالاعتراف بالواقع كما هو، لا بالشعارات الزائفة.
التركيز المفرط على الظهور الإعلامي والقصص البراقة في عالم الأعمال له آثار سلبية واضحة، إذ يلهي رواد الأعمال عن تطوير منتجاتهم وخدماتهم الحقيقية، وينفقون الوقت والمال على التسويق الشخصي بدل تحسين الأداء الفعلي. كما يبتعدون عن فهم احتياجات السوق، مما يؤدي أحيانًا إلى اتخاذ قرارات غير مستندة إلى بيانات حقيقية، ويزيد الضغط للحفاظ على صورة نجاح وهمية من التوتر وخطر الاحتراق المهني المبكر. هذا النمط يشوه مفهوم ريادة الأعمال لدى الشباب، في ربط النجاح بالشهرة والبريق الإعلامي بدل الاستدامة والإبداع، ويحول رحلة الريادة من بناء حقيقي إلى عرض شكلي بلا أساس متين. كذلك، كثير من الخبراء الإعلاميين يقدمون رؤى نظرية بعيدة عن الواقع، مركزين على المفاهيم العامة والشعارات دون تحليل التحديات الحقيقية مثل صعوبة وشروط التمويل وفهم العملاء، مما يخلق توقعات غير واقعية لدى رواد الأعمال المبتدئين. وفي عالم مليء بالحديث عن الابتكار والثورة الرقمية، القليل فقط من المشاريع يحقق فرقًا حقيقيًا، الريادة ليست بازارًا للأفكار أو مؤتمرات للتصوير، بل رحلة صبر وتجريب وتعلم من الفشل. الريادي الواقعي هو من يبني بثبات، لا يلهث وراء الأضواء بل وراء الأثر، ويزرع الانضباط والحكمة في مؤسساتنا. هم من يزرعون هذه القيم في مؤسساتنا، ويمنحها القدرة على الصمود في وجه التحديات.
لقد حان الوقت لنكرم هؤلاء الواقعيين: المهندس الذي يواصل عمله رغم قلة الموارد، المعلم الذي يغرس الأمل في طلابه رغم شح الإمكانات، الكناس الذي يؤدي واجبه في ظروف صعبة، الموظف المخلص الذي يعمل دون انتظار إشادة، المزارع الذي ينهض من الفجر لمواجهة تحديات التغير المناخي لتأمين الغذاء، ورائد الأعمال الذي يركز على بناء مشروع مستدام بدل استعراض نجاح مؤقت. نضيف إليهم الطبيب والممرضة الذين يسهرون على صحة المرضى في ظل نقص المستلزمات، ورجل الإطفاء الذي يخاطر بحياته لإطفاء الحرائق وإنقاذ الأرواح، والعامل في قطاعات البنية التحتية الذي يضمن استمرار الخدمات الأساسية رغم الظروف القاسية، والمتطوعون الذين يساهمون في تعليم وتأهيل الأجيال الشابة والمحتاجين بصمت وتفانٍ. هؤلاء جميعًا هم صُنّاع التنمية الحقيقية بصمتهم وعملهم الدؤوب. لذا، يجب أن يكون تقديرنا ليس لمن يتحدث كثيرًا، بل لمن يعمل أكثر. فالأمم لا تنهض بالشعارات أو التصفيق، بل بالفعل والإنجاز، والريادة الحقيقية، كما أشار الأستاذ خضر الأمين، هي رحلة أفعال لا بازار أقوال.










إرسال تعليق