بقلم/الطيب شيقوق المحامي والمستشار القانوني
تمثل تأشيرة الدخول التي تصدرها الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة شرطاً إجرائياً لتمكين وفود الدول الأعضاء من دخول أراضيها للمشاركة في اجتماعات المنظمة وأداء مهامهم الرسمية. غير أن إصدارها لا يقف عند حدود الإجراء الإداري، بل يثير مسألة قانونية تتعلق بمدى سلطة الدولة المضيفة في تنظيم دخول ممثلي الدول، في مقابل التزاماتها الدولية بضمان وصولهم وتمكينهم من أداء وظائفهم الرسمية.
الأصل في القانون الدولي أن للدولة، بحكم سيادتها على إقليمها، سلطة تنظيم دخول الأجانب إلى أراضيها. غير أن هذه السلطة قد تقيدها الاتفاقيات الدولية التي ترتبط بها الدولة، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بممثلي الدول القادمين لأداء وظائف رسمية لدى منظمة دولية.
وقد تطور نظام العلاقات الدولية بحيث أصبحت مشاركة الدول في أعمال المنظمات الدولية تستلزم توفير قدر من التسهيلات للممثلين الرسميين، وهو ما انعكس في عدد من الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالامتيازات والحصانات وحق المرور والوصول إلى أماكن الاجتماعات.
وفي حالة مقر الأمم المتحدة في نيويورك، يوجد تنظيم تعاهدي خاص يتمثل في اتفاق المقر المبرم بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة عام 1947. ويضع الاتفاق إطاراً محدداً لحقوق ممثلي الدول وغيرهم من الأشخاص المرتبطين بأعمال الأمم المتحدة.
وتنص المادة 11 من اتفاقية المقر هذه على ألا تفرض السلطات الأمريكية عوائق على مرور ممثلي الدول الأعضاء وموظفي الأمم المتحدة وغيرهم من الفئات المشمولة بالنص، أثناء انتقالهم من مقر الأمم المتحدة وإليه. كما تقرر المادة 12 أن هذه الحماية تسري بصرف النظر عن طبيعة العلاقات القائمة بين حكومة الشخص المعني وحكومة الولايات المتحدة.
أما المادة 13، فتتصل بصورة مباشرة بمسألة التأشيرات؛ إذ تنص على ألا تطبق قوانين الولايات المتحدة المتعلقة بدخول الأجانب بطريقة تتعارض مع الامتيازات المقررة في المادة 11، و متى كانت التأشيرات مطلوبة للأشخاص المشمولين بها، فإنها تمنح دون رسوم وبأسرع ما يمكن.
ومن هنا، فإن وجود سلطة الدولة المضيفة في تنظيم دخول الأجانب لا يعني بالضرورة إطلاق يدها في استعمال هذه السلطة عندما يتعلق الأمر بأشخاص تشملهم حماية اتفاق دولي خاص. فالمسألة القانونية لا تتوقف عند وجود سلطة داخلية، وإنما تمتد إلى مدى توافق ممارسة تلك السلطة مع الالتزامات الدولية التي ارتضتها الدولة.
ويبرز هنا مبدأ أساسي في القانون الدولي، وهو التمييز بين السيادة الإقليمية للدولة وبين التزاماتها التعاهدية. فإبرام المعاهدة لا يلغي سيادة الدولة، لكنه يلزمها بممارسة اختصاصاتها الداخلية بما لا يتعارض مع الالتزامات التي قبلتها دولياً.
وقد اكتسب هذا المبدأ أهمية عملية في رأي محكمة العدل الدولية الصادر في 26 أبريل 1988 بشأن اتفاق مقر الأمم المتحدة. وكانت المسألة المعروضة على المحكمة وقتئذ تتعلق بما إذا كانت الولايات المتحدة ملزمة بالدخول في إجراءات التحكيم المنصوص عليها في المادة 21 من اتفاق المقر، وانتهت المحكمة إلى تأكيد هذا الالتزام .
ومن المهم هنا عدم تحميل هذا الرأي أكثر مما يحتمل؛ فالمحكمة لم تكن بصدد الفصل في مشروعية رفض تأشيرة أو منع ممثل دولة من دخول الولايات المتحدة، وإنما تناولت الالتزام بإجراءات تسوية نزاع ناشئ عن تفسير أو تطبيق اتفاق المقر. غير أن أهمية هذا الرأي تكمن في تأكيد الطبيعة الملزمة للاتفاق وآلية تسوية المنازعات التي يتضمنها.
كما أن اتفاق المقر لا يلغي بصورة مطلقة سلطة الولايات المتحدة في تنظيم الدخول إلى أراضيها؛ فهو يترك لها، في غير الحالات التي تشملها الحماية المقررة، سلطة واسعة على دخول الأشخاص وإقامتهم. ولذلك فإن تحديد مدى الالتزام بتسهيل الدخول يتطلب أولاً تحديد المركز القانوني للشخص، وطبيعة مهمته، ومدى انطباق النصوص الخاصة عليه.
وبالتالي، فإن القول بأن الدولة المضيفة تملك، بحكم سيادتها، أن تمنح التأشيرة أو تمنعها دون قيد، لا يعكس الصورة الكاملة للقانون الدولي. وفي المقابل، فإن القول بأن كل ممثل لدولة يتمتع بحق مطلق في دخول أراضي الدولة المضيفة يحتاج أيضاً إلى تدقيق؛ إذ تتحدد الحقوق والالتزامات وفق النصوص الدولية الواجبة التطبيق والمركز القانوني للشخص المعني.
والخلاصة أن سيادة الدولة المضيفة تظل أصلاً من أصول القانون الدولي، لكنها تمارس في إطار الالتزامات الدولية التي ارتضتها الدولة.
وفي حالة مقر الأمم المتحدة، فإن اتفاق المقر يضع قواعد خاصة بشأن مرور ممثلي الدول وتأشيراتهم، بما يجعل المسألة تتجاوز مجرد قرار إداري إلى نطاق الالتزام التعاهدي. ومن ثم، فإن التوازن القانوني لا يقوم بين السيادة والقانون الدولي بوصفهما مبدأين متعارضين، وإنما بين حق الدولة في تنظيم الدخول إلى إقليمها، والتزامها الدولي بتيسير أداء المنظمة الدولية وممثلي الدول لوظائفهم الرسمية. ويظل تطبيق هذه القواعد في كل حالة رهناً بوقائعها وبالمركز القانوني للشخص والنصوص الدولية المنطبقة عليه.






إرسال تعليق