( B )
سابعاً: الأسلحة الكيميائية.. أخطر ملفات التصعيد
بقلم السفير الصادق المقلي
ربما يكون ملف الأسلحة الكيميائية أخطر الملفات الجديدة في العلاقة بين واشنطن والسلطة السودانية.
فبولس قال إن إدارة الرئيس السابق جو بايدن توصلت إلى قناعة باستخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية، وإن إدارة الرئيس دونالد ترامب أعادت مراجعة الملف ووصلت إلى النتيجة نفسها، بحسب ما نقله لـ«سكاي نيوز عربية».
وهنا يجب التمييز بين ثلاثة أمور:
*أولاً: التقييم الأمريكي بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية.*
*ثانياً: المسار الدولي المتعلق باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.*
*ثالثاً: الإجراءات والعقوبات الأمريكية التي يمكن لواشنطن اتخاذها بصورة مستقلة بموجب قانونها الداخلي.*
فمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية هي الجهة الدولية المختصة بالإطار التنفيذي لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
وقد دعت الولايات المتحدة السودان بالفعل إلى الامتثال للاتفاقية، وأكدت أن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تضطلع بدور رئيسي في الجهود الدولية المتعلقة بالتحقق والردع والقضاء على الأسلحة الكيميائية.
وهنا تكمن المفارقة:
يمكن أن يستمر المسار الأمريكي في اتجاه العقوبات حتى قبل صدور نتيجة نهائية من المنظمة الدولية المختصة.
أي أن العقوبة الأمريكية ليست بالضرورة حكماً دولياً صادراً عن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
إنها، أولاً وقبل كل شيء، إجراء أمريكي يستند إلى القانون الأمريكي.
ثامناً: لماذا يمثل هذا الملف خطراً اقتصادياً؟
خطورة هذه العقوبات لا تكمن فقط في الأشخاص أو المؤسسات السودانية المستهدفة مباشرة.
فالاقتصاد السوداني، الذي يعاني من آثار الحرب والانهيار في الإنتاج والبنية المالية، يتأثر بصورة خاصة بأي إجراء يؤدي إلى رفع مستوى المخاطر أمام المصارف والمؤسسات المالية والشركات الدولية.
لكن من الضروري هنا تجنب المبالغة في توصيف طبيعة العقوبات.
فالولايات المتحدة لا تفرض حالياً حصاراً شاملاً على كل المعاملات المتعلقة بالسودان بالشكل الذي كان قائماً في مراحل سابقة؛ وقد رفعت الولايات المتحدة بالفعل أجزاء واسعة من نظام العقوبات الشامل السابق، فيما لا تزال سلطات وعقوبات محددة مرتبطة بالسودان والحرب قائمة. وتوضح وزارة الخزانة الأمريكية أن سلطات عقوبات السودان الحالية تشمل، من بين أمور أخرى، الأمر التنفيذي 14098 الصادر عام 2023 والمتعلق بالوضع الناشئ عن انقلاب أكتوبر 2021 والحرب التي بدأت في أبريل 2023 ودعم الانتقال الديمقراطي والحكومة المدنية.
لكن العقوبات ذات الآثار الثانوية أو مخاطر الامتثال المصرفي يمكن أن تجعل المؤسسات الدولية أكثر حذراً في التعامل مع السودان، وهو ما يضاعف كلفة الحرب على اقتصاد منهك أصلاً.
تاسعاً: مقارنة عقوبات الأسلحة الكيميائية بعقوبات الإرهاب
من هنا يأتي السؤال: هل يمكن أن تكون العقوبات الجديدة أخطر اقتصادياً من إدراج السودان سابقاً على قائمة الدول الراعية للإرهاب؟
الإجابة ليست بهذه البساطة.
فلكل نظام عقوبات أساس قانوني وأهداف ونطاق مختلف.
لكن المقارنة تصبح ذات معنى من زاوية واحدة:
كلما اتسعت دائرة المخاطر أمام المصارف والمؤسسات الدولية، ارتفعت كلفة العزلة على الاقتصاد السوداني.
وهذا تحديداً ما يجعل ملف الأسلحة الكيميائية شديد الحساسية.
فالاقتصاد السوداني لا يملك حالياً قدرة كبيرة على تحمل طبقة جديدة من العزلة المالية.
*عاشراً: ماذا يعني أن تحل واشنطن الملف مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية؟*
قال بولس إن على الحكومة السودانية معالجة القضية مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وإن الولايات المتحدة مستعدة لتقديم دعم تقني.
وهذه النقطة تفتح باباً مهماً أمام الحكومة السودانية.
فبدلاً من التعامل مع الاتهام باعتباره مواجهة سياسية مع واشنطن فقط، يمكن التعامل معه أيضاً باعتباره ملفاً فنياً ودولياً له مؤسسة مختصة وآليات للتحقق.
وبالتالي فإن السؤال ليس فقط: هل تنفي الحكومة الاتهام؟
بل أيضاً:
هل ستذهب إلى الآليات الدولية المختصة لتفكيك الاتهام وإثبات موقفها؟
وهذه مسألة مختلفة تماماً عن الدخول في مواجهة سياسية مع الولايات المتحدة.
*الثاني عشر: حديث بولس عن ترامب.. ماذا يعني؟*
كعادته، ربط بولس التحرك الأمريكي بموقف الرئيس دونالد ترامب، مشيراً إلى أن الرئيس ينتظر نتائج إيجابية من المساعي السلمية.
وهذه الإشارة مهمة من الناحية السياسية، لأنها تعني أن الملف السوداني ليس منفصلاً، في التصور الأمريكي، عن قرار سياسي في البيت الأبيض.
أي أن التحرك الدبلوماسي الذي يقوده بولس ليس مبادرة شخصية معزولة، وإنما جزء من سياسة الإدارة الأمريكية.
لكن في المقابل، لا ينبغي قراءة ذلك على أنه إعلان عن قرار أمريكي مسبق باستخدام القوة.
فالبيت الأبيض يريد نتيجة تفاوضية، لكنه يريد في الوقت نفسه أن يملك أدوات ضغط كافية لإجبار أطراف الحرب على التعامل مع هذا المسار بجدية.
*الثالث عشر: من العقوبات إلى خيارات أخرى؟*
إذا لم تنجح الأدوات الحالية، وإذا استمر الفيتو داخل مجلس الأمن في منع بعض الإجراءات التي تريدها واشنطن، فإن السؤال يصبح:
ما هي الخيارات الأخرى؟
وهنا ينبغي الحذر من القفز مباشرة إلى سيناريو التدخل العسكري.
فالخيارات تقع على طيف واسع:
تشديد العقوبات الأمريكية؛
زيادة الضغط على الدول التي تقدم السلاح لأطراف الحرب؛
توسيع الحظر الدولي على الأسلحة؛
تشديد الرقابة على شبكات التمويل؛
فرض قيود على المسيّرات ومكوناتها؛
زيادة الضغط. الدبلوماسي،،
توسيع إجراءات حماية المساعدات الإنسانية؛
ثم، في سيناريو أكثر تصعيداً، الانتقال إلى إجراءات ذات طبيعة أمنية أو عسكرية.
لكن مجرد تصريح بولس بأن «خيارات أخرى» قد تكون مطروحة لا يسمح وحده بالقول إن الولايات المتحدة قررت التدخل عسكرياً.






إرسال تعليق