من أين تستمد اللجنة تفويضها.. و الصلاحيات الكاملة و الشرعيه السياسية ؟”1″

  • بتاريخ : 6 سبتمبر، 2026 - 8:40 م
  • الزيارات : 6
  • بقلم السفير الصادق المقلي

    “كاتب ودبلوماسي سوداني”

    ليس المقصود في هذا المقال التشكيك في نوايا الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ولا الانتقاص من مكانته أو من اللجنة وأعضائها، وإنما طرح سؤال سياسي وقانوني مشروع حول مصدر التفويض وحدوده، انطلاقاً من أهمية الموقع الذي تتولاه اللجنة، وطبيعة الصلاحيات التي نُسب إليها امتلاكها.
    فالبرهان، بحكم موقعه العسكري والسياسي، يستطيع أن يعلن دعمه للجنة، وأن يهيئ لها مساحة للعمل، وأن يشجع الأطراف على الانخراط في الحوار؛ لكن ذلك يختلف، من حيث المبدأ، عن منحها من طرف واحد شرعية سياسية وطنية شاملة، أو حقاً حصرياً، أو صلاحيات كاملة تتجاوز بقية أطراف الأزمة.
    ومن هنا يأتي السؤال الذي لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره اعتراضاً على الأشخاص، وإنما باعتباره ضرورة لفهم طبيعة المهمة وحدودها:
    من أين تستمد اللجنة تفويضها؟ ومن منحها «الصلاحيات الكاملة» و«الشرعية السياسية» و«الحق الحصري»؟ وما هو السند السياسي أو الدستوري الذي تستند إليه هذه الصلاحيات؟

    لكن ثمة مسألة أكثر جوهرية في حديث البرهان تستحق التوقف عندها، وربما تكون أهم من مسألة تشكيل الحكومة ذاتها، وهي حديثه عن أن لجنة الحوار تمتلك «الصلاحية الكاملة والشرعية السياسية»، وأن لها «الحق الحصري» في هندسة مسار تقرير المصير وترتيب عملية تشكيل الحكومة.
    هنا تحديداً تبرز أسئلة لا يمكن تجاوزها: من أين تستمد اللجنة هذا التفويض؟ ومن منحها «الحق الحصري»؟ ومن خوّلها «الصلاحية الكاملة»؟ ومن أين جاءت «الشرعية السياسية» التي قيل إنها تمتلكها؟
    فالاستقلالية شيء، والتفويض شيء آخر، والشرعية السياسية شيء ثالث.
    إذا كانت اللجنة، كما أعلن البرهان نفسه، حرة ومستقلة، ولا تتدخل الحكومة في أعمالها أو تمارس عليها أي وصاية، فإن ذلك أمر إيجابي من حيث المبدأ. لكن استقلال اللجنة عن الحكومة لا يجعلها تلقائياً صاحبة تفويض وطني شامل، ولا يمنحها بذاته سلطة تقريرية أو تأسيسية تتجاوز الأطراف التي يفترض أن تتحاور معها.
    الاستقلال عن الحكومة لا يساوي التفويض من الشعب، ولا يتحول الوسيط المستقل بمجرد استقلاله إلى صاحب سلطة تقريرية.
    فالولاية المعلنة للجنة منذ بدايتها، بحسب طبيعة مهمتها، هي أن تكون مسهلًا ومنسقًا وحلقة وصل بين القوى السودانية، وأن تساعد في تهيئة المناخ للحوار وتقريب وجهات النظر. وهذه وظيفة تختلف جوهرياً عن أن تتحول اللجنة من وسيط بين الأطراف إلى جهة تمتلك حقاً حصرياً في تشكيل الحكومة أو هندسة مستقبل الدولة.
    وهنا يثور سؤال آخر أكثر أهمية: إذا كانت اللجنة لا تمثل كل أطراف الأزمة، ولم تُنشأ عبر اتفاق سياسي جامع، ولم تنتخبها القوى السودانية أو تفوضها تفويضاً تأسيسياً، فمن أين جاءت هذه الصلاحيات؟
    فالقضية ليست في الأشخاص، ولا في حسن النوايا، ولا في استقلال أعضاء اللجنة؛ وإنما في مصدر الاختصاص ومصدر التفويض.
    والبرهان، مهما كانت صفته وموقعه، هو في نهاية المطاف أحد أطراف الأزمة السودانية، ولا يمثل وحده كل القوى السياسية والمدنية والمجتمعية والعسكرية التي تشكل أطراف الصراع. ومن ثم فإن تفويضه للجنة من طرف واحد لا يتحول تلقائياً إلى تفويض وطني ملزم لبقية الأطراف.
    بل إن استخدام تعبير «الحق الحصري» يثير إشكالاً أكبر.
    فإذا كان المقصود أن اللجنة لها الحق الحصري في تيسير الحوار، فذلك مفهوم. أما أن يكون لها الحق الحصري في تشكيل الحكومة أو في هندسة مسار تقرير المصير، فهذه صلاحية مختلفة تماماً، لأنها تعني عملياً استبعاد بقية أطراف الأزمة من حق المشاركة في إنتاج القرار الذي سيحدد مستقبل البلاد.
    والسؤال هنا بسيط ومباشر:
    هل يملك أحد أطراف الأزمة أن يمنح جهة مستقلة عنه حقاً حصرياً على بقية أطراف الأزمة؟
    إذا كانت الإجابة بالنفي، فإننا نكون أمام تفويض سياسي أحادي الجانب لا يمكن أن ينتج شرعية سياسية جامعة.
    فالشرعية السياسية لا تُستعار من موقع السلطة، ولا تُمنح بعبارة في خطاب، وإنما تُكتسب من توافق أصحاب المصلحة السياسيين والاجتماعيين، أو من تفويض دستوري أو سياسي واضح ومحدد المصدر والاختصاص.
    ومن هنا تبدو المفارقة واضحة: إذا كانت اللجنة مستقلة عن الحكومة، فمن الطبيعي أن تسأل الحكومة نفسها: هل تملك أصلاً سلطة منحها ما لا تملكه هي؟
    فالمسألة ليست رفضاً لاستقلال اللجنة، بل العكس تماماً: حماية لاستقلالها من أن يتحول إلى غطاء لتفويض أحادي المصدر.
    إن اللجنة المستقلة لا ينبغي أن تكون أداة بيد الحكومة، كما لا ينبغي أن تصبح، باسم الاستقلال، بديلاً عن القوى السودانية صاحبة المصلحة في الحوار. وظيفتها أن تجمع الفرقاء، لا أن تحل محلهم؛ وأن تسهل التوافق، لا أن تنشئه بقرار منها؛ وأن تنقل الإرادات السياسية، لا أن تستبدل بها إرادة جديدة.
    ولهذا فإن العبارة الأدق ليست: «اللجنة تمتلك الصلاحية الكاملة والشرعية السياسية»، وإنما السؤال الذي ينبغي أن يسبق هذه العبارة هو:
    من فوّض اللجنة؟ وما حدود التفويض؟ ومن وافق عليه؟
    فالتفويض يحتاج إلى مصدر، والاختصاص يحتاج إلى سند، والشرعية السياسية تحتاج إلى قبول، والحق الحصري يحتاج إلى أساس يبرر استبعاد الآخرين.
    أما أن يمنح طرف في الأزمة لجنةً مستقلةً عنه «حقاً حصرياً» و«صلاحية كاملة» و«شرعية سياسية»، من دون أن نعرف السند الذي يستند إليه هذا المنح، فذلك يضعنا أمام إشكالية سياسية لا يمكن القفز فوقها.
    وهنا ينبغي أن يكون السؤال مفتوحاً أمام البرهان واللجنة معاً:
    هل هذه الصلاحيات مستمدة من تفويض وطني جامع، أم أنها مجرد تفويض صادر من طرف واحد في الأزمة؟
    فالفرق بين الاثنين ليس في المصطلحات؛ بل في شرعية ما سينتج عنهما، وفي قدرة أي حكومة يتمخض عنها هذا المسار على أن تحكم السودان كله، لا جزءاً منه، وأن تحظى بالقبول والاعتراف اللازمين داخلياً وإقليمياً ودولياً.