الجنيه السوداني… رحلة الهبوط والبحث عن قارب النجاة

  • بتاريخ : 6 سبتمبر، 2026 - 4:33 م
  • الزيارات : 6
  • بقلم :امين الجاك عامر المحامي

    أتابع باهتمام بالغ الأخبار التي تردنا عبر الوسائط الإعلامية المتعددة، وهي تتناول هذه الأيام أخبار وآثار الارتفاع المفاجئ في سعر الدولار، والسياسات المعلنة بشأنه، وردود أفعال المواطنين الذين جأروا بالشكوى من الارتفاع المتواصل في أسعار السلع والخدمات.

    وهذه،في تقديري، ليست ظاهرة اقتصادية جديدة على السودان، وإنما هي مشكلة قديمة متجددة، تظهر بين حين وآخر بأشكال مختلفة، حتى أصبح الجنيه السوداني، ومنذ أن بدأ رحلة الهبوط قبل أزمان سحيقة، وكأنه لم يجد بعد الطريق الذي يعيده إلى شيء من عافيته.

    ولعل هذه المشكلة تستحق، بل تحتاج، إلى دراسة وبحث طويل وعميق، تقوم به جيوش جرارة من الاقتصاديين وأهل الاختصاص، يضعون نصب أعينهم نقطة البداية: متى بدأ الجنيه السوداني يفقد قيمته؟ وما الأسباب التي قادته إلى ذلك؟

    ثم يمضون في رحلة البحث عبر العقود،يتتبعون القرارات والسياسات الاقتصادية والنقدية، وأثر العجز في الموازنة، والإنتاج والصادرات والواردات،والذهب والتحويلات، والسياسات المصرفية، وكل العوامل الداخلية والخارجية التي ساهمت في إضعاف العملة الوطنية، إلى أن يصلوا إلى يومنا هذا، حيث تضاف إلى كل تلك العوامل آثار الحرب المحلية، وما يدور حول السودان وفي محيطه الإقليمي والعالمي من أزمات وصراعات واضطرابات اقتصادية وسياسية.

    ولعل هذه الرحلة الطويلة تقودهم في نهايتها إلى ذلك الخيط الرفيع الذي يمكن الإمساك به، ومن ثم بناء خطة حقيقية لوضع قارب النجاة للجنيه السوداني، بدلاً من الاكتفاء بمحاولات متكررة لمعالجة كل أزمة عند ظهورها.

    ومن هنا تأتي دعوتي إلى قيام مجلس اقتصادي متخصص ومستقل، يضم نخبة من الاقتصاديين وأهل الخبرة والتجربة، تكون مهمته دراسة مسيرة العملة السودانية دراسة شاملة، لا تقف عند ارتفاع الدولار اليوم أو انخفاضه غداً، وإنما تبحث في جذور الأزمة وتضع تصوراً متكاملاً للخروج منها.

    لكن هناك جانباً آخر من الأزمة ربما لا يحظى بالقدر الكافي من النقاش، وقد لاحظناه خلال السنوات الماضية بصورة واضحة، وهو اتساع الوعي الشعبي بالدولار باعتباره وسيلة لحفظ قيمة المال.

    وأقول “الوعي الشعبي” هنا بمعناه الواسع، إذ لم يعد الأمر مقتصراً على كبار التجار أو رجال الأعمال أو المضاربين في العملات. لقد أصبح الدولار، بدرجات متفاوتة، حاضراً في حسابات معظم الناس، وأصبح كثيرون يلجأون إليه، لا رغبة في المضاربة أو تحقيق الربح، وإنما خوفاً على قيمة ما يملكونه.

    فصاحب الحصيلة النقدية اليومية، بعد أن كان يحتفظ بأمواله بالجنيه، أصبح يجد نفسه أمام سؤال بسيط: ماذا ستكون قيمة هذه الأموال غداً؟
    وهنا يبدأ السلوك العفوي؛ فيستبدل ما لديه من جنيهات بالدولار أو الذهب أو أي أصل آخر يعتقد أنه أكثر قدرة على الاحتفاظ بالقيمة.

    وهؤلاء، في الغالب، ليسوا تجار عملة ولا مضاربين يمكن أن تتجه إليهم أصابع الاتهام، وإنما هم أصحاب أموال يحاولون حماية ما يملكونه من التآكل.
    لكن المفارقة أن السلوك الفردي الذي يبدو منطقياً بالنسبة لصاحبه قد يصبح، عندما يتكرر على نطاق واسع، مشكلة اقتصادية عامة.

    فإذا كان آلاف المواطنين يفعلون الشيء ذاته كل يوم، فإننا أمام طلب داخلي مستمر على الدولار،ليس بسبب الاستيراد وحده، ولا بسبب العلاج والتعليم في الخارج، ولا بسبب السفر والسياحة أو أداء مناسك الحج والعمرة، وإنما بسبب الرغبة في الحفاظ على قيمة الأموال.

    وهنا تصبح المعادلة أكثر تعقيداً.

    فكلما فقد الجنيه جزءاً من قيمته، ازداد خوف الناس منه، وكلما ازداد خوفهم منه اتجهوا إلى الدولار أو الذهب أو العقار أو السلع، وكلما ازداد الطلب على هذه البدائل ارتفعت قيمتها مقابل الجنيه، فيزداد ضعف الجنيه، فتزداد المخاوف منه مرة أخرى.

    وهكذا ندخل في دائرة مفرغة يغذي بعضها بعضاً.

    ولم يتوقف الأمر عند الدولار والذهب، بل امتد هذا السلوك إلى أسواق العقارات وغيرها. فأصبحنا نشهد عقود إيجار لا يكون معيارها الجنيه السوداني، وإنما قيمة الدولار في السوق عند حلول موعد السداد، بل إن بعض التعاملات أصبحت تربط قيمة الإيجار بالذهب، فيقال مثلاً إن الأجرة الشهرية تعادل عشرة جرامات من الذهب، أو تعادل عدداً معيناً من جوالات الدقيق زنة خمسين كيلوغراماً، أو غير ذلك من السلع التي أصبحت تؤدي وظيفة “مخزن للقيمة”.

    وهذا في حد ذاته مؤشر بالغ الأهمية.

    فحين يبدأ الناس في التعامل فيما بينهم بمقاييس بديلة للعملة الوطنية، فإن المسألة لا تعود مجرد ارتفاع في سعر الدولار، وإنما تصبح أزمة ثقة في الجنيه نفسه.

    والعملة، في جوهرها، ليست مجرد أوراق مطبوعة؛ إنها قبل كل شيء ثقة. ثقة الناس في قدرتها على الاحتفاظ بالقيمة، وثقتهم في أن ما يستطيعون شراءه بها اليوم لن يتحول غداً إلى جزء يسير مما كان يمكنهم الحصول عليه بالأمس.

    ومن هنا، فإن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقوم فقط على ملاحقة الدولار في السوق، أو اتخاذ إجراءات إدارية مؤقتة، أو منع سلعة من الاستيراد هنا وفتح باب لاستيراد أخرى هناك.

    بل إنني أخشى أن يؤدي حظر بعض الواردات، إذا لم يُدرس بعناية، إلى نتيجة عكسية. فالسلعة التي يحتاج إليها المواطن لن تختفي لمجرد صدور قرار بمنع استيرادها، وإنما قد تبحث عن طريق آخر إلى السوق، فتدخل عبر قنوات غير رسمية، ويصبح تداولها أكثر غموضاً وأعلى تكلفة، وفي النهاية يدفع المستهلك الثمن.

    لذلك فإن تقليل الطلب على الدولار لا يبدأ بالضرورة من منع المواطن من شراء الدولار، وإنما يبدأ من إعادة بناء الاقتصاد الذي يجعله محتاجاً إلى الدولار أصلاً.

    نحتاج إلى إنتاج حقيقي، وصادرات حقيقية، وموارد نقد أجنبي مستدامة، ونظام مصرفي قادر على جذب الأموال إلى داخله، وسياسات تشجع المواطن على الاحتفاظ بمدخراته داخل النظام المالي بدلاً من تحويلها إلى دولار أو ذهب أو عقار.

    ونحتاج قبل ذلك كله إلى إعادة بناء الثقة.

    الثقة في الجنيه، والثقة في المصارف، والثقة في السياسات الاقتصادية، والثقة في أن الدولة تعرف إلى أين تريد أن تمضي باقتصادها.

    فلا يمكن أن نطلب من المواطن أن يحتفظ بالجنيه، بينما هو يرى مدخراته تتآكل أمام عينيه، ثم نصفه بالمضارب عندما يبحث عن وسيلة لحماية ما تبقى منها.

    إن إنقاذ الجنيه السوداني لن يكون بقرار واحد، ولا بمنشور مصرفي، ولا بحظر سلعة، ولا بمطاردة تجار العملة وحدهم.

    المشكلة أعمق من ذلك بكثير.
    إنها حصيلة تراكمات طويلة، اقتصادية وسياسية وإدارية وإنتاجية، أضيفت إليها اليوم آثار الحرب وتداعياتها القاسية.

    ولهذا فإنني أعود إلى دعوتي الأولى: فلننشئ مجلساً اقتصادياً من أهل العلم والخبرة، وليبدأوا الرحلة من أول يوم بدأ فيه الجنيه السوداني يفقد عافيته، وليبحثوا عن الأسباب دون مجاملة، وعن الأخطاء دون خوف، وعن الحلول دون شعارات.

    فقد لا يكون أمامنا اليوم ترف إضاعة المزيد من الوقت.

    الجنيه السوداني ليس مجرد ورقة نقدية؛ إنه عنوان لاقتصاد وطن، ومرآة لثقة مواطنيه، وجزء من كرامتهم الاقتصادية.

    وإذا كنا قد اعتدنا أن نبحث كل صباح عن سعر الدولار، فلعل الأجدى أن نبحث، ولو لمرة واحدة، عن الأسباب التي جعلتنا نحتاج إلى الدولار بهذه الصورة أصلاً.

    وعندها فقط، ربما نبدأ في بناء قارب النجاة الحقيقي… لا للجنيه وحده، وإنما للاقتصاد السوداني كله.