بقلم: الإمام عبداللطيف الإمام_
المعارضة السياسية ليست نقيصة في جبين الدولة، ولا دليل فشل. بالعكس، هي علامة عافية.
الدول التي بلا معارضة هي دول بلا مرآة. لا ترى عيوبها، ولا تسمع صوت الناس، ولا تحاسب على خطئها.
*المعارضة ضرورة*
وظيفتها أن تراقب الحكومة وتحاسبها، وتكشف الفساد وسوء الإدارة، وتنقل هموم المواطن، وتحمي الحريات، وتطرح البدائل.
وبأبسط عبارة:
*الحكومة تحكم وتنفذ، والمعارضة تراقب وتحاسب وتقترح.*
لكن يبقى السؤال المصيري الذي تتهرب منه كثير من النخب:
*متى تتحول المعارضة من أداة إصلاح إلى معول هدم؟*
*أولاً: لحظة العبور إلى الخطر*
تتحول المعارضة إلى خطر على الوطن في اللحظة التي يصبح فيها *إسقاط الخصم أهم من إنقاذ الوطن*.
عندما يتقدم منطق “أنا أو هو” على منطق “السودان أولاً”.
وهذا يحدث في ثلاث صور:
1. *الاستقواء بالخارج*: عندما تصبح السفارات والقنوات الأجنبية هي ساحة المعركة بدل البرلمان والشارع.
2. *بيع الرواية للخارج*: تقديم معلومات عن البلد، صحيحة أو ملفقة، تعلم أن مصدرها يملك أدوات العقاب والحصار والتدخل.
3. *الشيطنة الشاملة*: تحويل الخلاف مع الحكومة إلى حرب على الدولة ومؤسساتها وتاريخها.
هنا لم تعد معارضة. هذه *خيانة وشراكة في إضعاف الوطن*.
*ثانياً: الشاهد الذي لا يُنسى – مصنع الشفاء 1998*
أغسطس 1998. في ليلة واحدة سقطت صواريخ “كروز” الأمريكية على مصنع الشفاء للأدوية في بحري.
الاتهام الأمريكي: المصنع ينتج مواد تدخل في الأسلحة الكيميائية وله صلة بتنظيم أسامة بن لادن.
النتيجة: تدمير المصنع بالكامل، ودخول السودان في حصار دوائي وإنساني لسنوات.
ظلت صحة الاتهام موضع جدل. لكن ما هو مؤكد أن *معلومات قدمتها أطراف من المعارضة السودانية آنذاك وصلت للإدارة الأمريكية* وكانت ضمن مبررات القرار.
تأمل المشهد: خلاف سياسي داخلي يتحول إلى صواريخ.
رصاصة الخارج لا تسأل: ”
• هل أنت مع الحكومة أم ضدها؟”
• هي تقتل المريض الذي يبحث عن دواء،
• وتجوع الطفل الذي ينتظر لبن،
• وتعطل المصنع الذي يأكل منه والآلاف.
*المعلومة التي تخرج منك للخارج قد تبدأ منشوراً… وتنتهي عقوبة… وقد تنتهي صاروخاً.*
*ثالثاً: تكرار الخطأ بصيغة أخطر*
بعد 30 عاماً، نحن أمام ذات الاختبار ولكن بكلفة أعلى.
السودان اليوم في قلب حرب مدمرة، وسط اتهامات متبادلة باستخدام أسلحة محظورة، وتقارير ترفع، وعقوبات تلوح.
وهنا لا بد من موقف وطني واضح لا يقبل المساومة:
*إذا كانت هناك جريمة، فلتثبت بالأدلة.*
*إذا استُخدم سلاح محظور، فليُحاسب مرتكبه أياً كان موقعه.*
*ولتُجرَ تحقيقات مستقلة وشفافة.*
الوطنية لا تعني التستر على الجاني.
كما أن المعارضة لا ينبغي أن تكون ستاراً لتصفية الحسابات.
لكن في المقابل: *لا يجوز أن تتحول الشائعة إلى حقيقة لمجرد تكرارها إعلامياً.*
ولا أن تصبح التغريدة أو التقرير غير الموثق مادة خام لقرار دولي يدفع ثمنه المواطن.
اسأل نفسك: الجهة التي ستفرض العقوبات أو الحصار،
• هل ستقف في صف العيش؟
• هل ستبحث عن الدواء في الصيدليات الفارغة؟
• هل سيدفع أبناؤها ثمن انهيار الجنيه وتوقف المصانع؟
*الإجابة: لا. نحن من سندفع الثمن كاملاً.*
*رابعاً: كيف نعارض بوطنية؟*
السؤال ليس “هل نعارض؟” فهذا حق دستوري وأخلاقي.
السؤال هو: *كيف نعارض وإلى أي مدى؟*
*المعارضة الوطنية لها 4 مهام واضحة:*
1. *النقد بلا سقف*: انتقد الحكومة في كل ملف. الاقتصاد، الأمن، الخدمات.
2. *كشف الفساد بالدليل*: الوثيقة، الرقم، الشاهد. لا الإشاعة.
3. *تقديم البديل*: لا تقل “هذا خطأ” فقط. قل “والصواب هو كذا”.
4. *إسقاط الحكومة بالوسائل المشروعة*: الصندوق، البرلمان، الضغط الشعبي السلمي.
*وهناك 3 خطوط حمراء لا يجوز تجاوزها:*
1. *لا استقواء بالخارج* على وطنك وشعبك.
2. *لا تشويه لسمعة الوطن* في المحافل الدولية لكسب نقاط سياسية.
3. *لا تقديم معلومات غير موثقة* لمن يملك قرار الحرب والعقوبات.
قبل أن تخطو أي خطوة اسأل نفسك سؤالاً واحداً: *هل هذا يقوي السودان أم يضعفه؟*
*الخاتمة: الميزان الذي لا يميل*
نعم، من حقك أن تسقط الحكومة إذا فشلت. هذا هو جوهر الديمقراطية.
*لكن ليس من حقك أن تسقط الدولة من أجل أن تسقط الحكومة.*
تذكروا جيداً: الحكومات تتغير. الأنظمة تسقط وتصعد. الأحزاب تخسر وتفوز. القادة يرحلون.
*ويبقى الوطن.*
الحكومة ليست الوطن.
المعارضة ليست الوطن.
الجيش ليس الوطن وحده.
ولا حزب ولا زعيم هو الوطن.
*الوطن هو السودان.*
*أرض النيلين، أرض 52 مليون إنسان.* تاريخ وأمل وألم مشترك.
لقد أرهقنا منطق “الغلبة”. كل طرف يتعامل مع هزيمة خصمه وكأنها انتصار للوطن.
لكن ماذا يعني أن تنتصر على خصمك إذا كان الثمن وطناً ممزقاً ضعيفاً جائعاً؟
قال تعالى: *﴿ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾*
السودان اليوم لا يحتاج إلى من ينتصر عليه.
السودان يحتاج إلى من ينتصر له.
فالسياسيون يذهبون… والحكومات تتبدل… والأنظمة تتغير…
*لكن السودان يجب أن يبقى… قوياً، آمناً، مستقراً، نامياً.*
*هذا هو العهد الذي بيننا وبينه، وهذا هو القسم الذي لا نكسره.*











إرسال تعليق