بقلم: د. مختار خضر بشراب
ظل تعبير «هجرة العقول» حاضرًا في الخطاب السوداني سنوات طويلة، وغالبًا ما ارتبط بفكرة الخسارة: كفاءات تتخرج، ثم تغادر، وخبرات تتراكم خارج الوطن، ومؤسسات تفقد جزءًا من قدرتها البشرية في الوقت الذي تشتد فيه حاجتها إلى المعرفة. ولا شك أن هذه الصورة تحمل جانبًا حقيقيًا من المشكلة، لكنها لم تعد تكفي لوصف العلاقة المعقدة التي أصبحت تربط السودانيين بوطنهم في عالم تغيرت فيه حدود العمل والمعرفة، ولم تعد فيه المسافة الجغرافية تعني بالضرورة انقطاع الصلة.
لذلك ربما آن الأوان لأن نطرح السؤال بطريقة مختلفة: هل خروج الإنسان من السودان يعني بالضرورة خروج القيمة التي يستطيع أن يقدمها؟ وهل ينبغي أن يعود السوداني بجسده حتى تعود خبرته إلى وطنه؟ أم أن بإمكاننا أن ننتقل من التفكير في «هجرة العقول» إلى مفهوم أوسع هو «دوران العقول»، ثم إلى مفهوم أكثر اتساعًا يتمثل في «شبكة العقول السودانية» التي تجعل المعرفة قادرة على الحركة بين الداخل والخارج دون أن ترتبط المشاركة بمكان الإقامة؟
لقد تغيرت طبيعة العالم بصورة تجعل الإجابة عن هذه الأسئلة أكثر واقعية مما كانت عليه في الماضي. الطبيب السوداني الذي يعمل في مؤسسة متقدمة خارج البلاد يستطيع أن يظل على صلة بمؤسسات صحية سودانية، والمهندس الموجود في شركة عالمية يستطيع أن يقدم خبرته لمشروع داخل السودان، والأستاذ الجامعي المقيم في الخارج يستطيع أن يشارك في الإشراف والبحث والتدريب، والباحث يستطيع أن يدخل في شراكة علمية مع فريق سوداني، ورجل الأعمال يستطيع أن يوجه جزءًا من استثماره إلى مشروع منتج في وطنه. لم تعد الجغرافيا وحدها هي التي تحدد أين تبدأ مساهمة الإنسان وأين تنتهي.
لكن هذه الإمكانية لا تعني أن المعرفة تنتقل تلقائيًا. وهنا تكمن القضية الحقيقية. فوجود خبير سوداني متميز في الخارج لا يعني أن السودان يستفيد بالضرورة من خبرته، كما أن نجاح طبيب أو مهندس أو أكاديمي في مؤسسة عالمية لا يتحول بصورة آلية إلى قيمة داخل مؤسسة سودانية. هناك مسافة بين امتلاك المعرفة وبين القدرة على تحويلها إلى نتيجة، وهذه المسافة هي التي ينبغي أن تصبح موضوعًا جادًا للتفكير.
لهذا ربما نحتاج إلى إعادة تعريف معنى «العودة». فالعودة ليست بالضرورة قرارًا جغرافيًا دائمًا. قد يعود الخبير لفترة محددة لإنشاء مشروع أو تدريب فريق، وقد يشارك في عمل مهني دون أن ينتقل للإقامة، وقد يعمل عن بُعد، أو يدخل في شراكة بحثية، أو يقدم استشارة متخصصة، أو يربط مؤسسة سودانية بمؤسسة دولية، أو يحول خبرته إلى برنامج أو منهج أو نظام يمكن أن يستمر بعد انتهاء مشاركته. وفي كل هذه الحالات لا يكون السؤال الحقيقي: أين يعيش الشخص؟ وإنما: أين تصل القيمة التي يستطيع أن ينتجها؟
ولعل الطبيب المتخصص مثال واضح على هذا التحول. فبدل أن تكون الخيارات محصورة بين بقائه في الخارج أو عودته النهائية إلى السودان، يمكن أن تكون هناك مساحة ثالثة أكثر مرونة؛ يظل في موقعه المهني، لكنه يشارك في تدريب أطباء سودانيين، أو يساهم في تطوير بروتوكولات، أو يقدم استشارات، أو يساعد في بناء علاقة مؤسسية بين الجهة التي يعمل فيها ومؤسسة سودانية. عندها لا يكون قد عاد بشخصه، لكن جزءًا من خبرته أصبح حاضرًا في السودان. والفكرة نفسها تنطبق على المهندس والأستاذ الجامعي والباحث ورجل الأعمال وغيرهم.
وهنا يظهر الفرق بين عودة الأشخاص وعودة القيمة. فالوطن لا يحتاج بالضرورة إلى استعادة جميع أبنائه جغرافيًا حتى يستفيد منهم، وإنما يحتاج إلى أن يجد طرقًا تجعل خبراتهم ومعارفهم وعلاقاتهم وقدراتهم جزءًا من حركة التنمية داخله. وهذه النقلة لا تقلل من قيمة العودة الفعلية لمن يستطيع ويرغب فيها، وإنما توسع مفهوم المشاركة بحيث لا يصبح البعد الجغرافي عائقًا أمام الانتماء العملي.
ومن هذا المنظور يصبح «دوران العقول» مفهومًا أكثر واقعية من فكرة الاستعادة الكاملة. قد يغادر الإنسان، ثم يعود لفترة، ثم يستأنف عمله في الخارج، ثم يشارك في مشروع داخل السودان، ثم يقدم تدريبًا عن بُعد، ثم يدخل في بحث مشترك أو استثمار جديد. ليست المسألة رحلة في اتجاه واحد، وإنما حركة مستمرة للخبرة بين البيئات المختلفة. وهذه الحركة، إذا أُديرت بذكاء، يمكن أن تجعل السودان مستفيدًا من اتساع التجربة العالمية لأبنائه بدل أن ينظر إلى انتشارهم الجغرافي باعتباره خسارة صافية.
لكن الخطوة الأهم تبدأ عندما نتوقف عن النظر إلى كل خبير باعتباره حالة منفردة. فالسودانيون المنتشرون في مختلف أنحاء العالم يمثلون، إذا أمكن ربطهم باحتياجات حقيقية، رصيدًا معرفيًا يمكن أن يعمل كمنظومة. وهنا تظهر فكرة (شبكة العقول السودانية) ؛ ليس باعتبارها مجموعة إلكترونية ضخمة تضم أسماء كثيرة، وإنما باعتبارها آلية عملية تربط المعرفة بالاحتياج، والخبرة بالمشروع، والشخص بالنتيجة.
الشبكة الحقيقية لا تقاس بعدد أعضائها، وإنما بما تستطيع إنجازه. تحتاج إلى معرفة دقيقة بمجالات الخبرة المتاحة، وفهم واضح لما يحتاجه السودان في كل مرحلة، ثم القدرة على مطابقة الاثنين بصورة عملية. فإذا كان الاحتياج في مرحلة معينة يتعلق بالمياه، تكون الأولوية لمن يملك الخبرة المناسبة، وإذا انتقل التركيز إلى الطاقة أو الزراعة أو الصناعة أو الصحة أو التكنولوجيا، تتغير خريطة المشاركة تبعًا لذلك. وهنا يصبح السؤال أكثر دقة: ليس «كم من العقول السودانية موجودة في الخارج؟»، وإنما (من نحتاج الآن، وما الذي يستطيع أن يقدمه؟)
وهذه النقلة من الأعداد إلى الاحتياجات يمكن أن تجعل التعامل مع الشتات أكثر واقعية. فالسودان لا يحتاج إلى استدعاء كل خبراته في الوقت نفسه، ولا يستطيع كل خبير أن يقدم الشيء نفسه، كما أن الأولويات الوطنية تتغير. ما نحتاجه هو منظومة تعرف أين توجد الخبرة، وأين توجد الحاجة، وكيف يمكن الجمع بينهما في الوقت المناسب.
غير أن هناك شرطًا لا يمكن تجاهله: هل المؤسسات السودانية مستعدة لاستقبال المعرفة التي تريد أن تأتيها؟ فحتى أفضل الخبرات يمكن أن تفقد أثرها إذا وجدت مؤسسة بلا بيانات كافية، أو بلا صلاحيات واضحة، أو بلا تمويل، أو بلا بنية تسمح بالتطبيق، أو بلا قدرة على اتخاذ القرار. ولذلك فإن استدعاء الخبرات ليس نهاية العملية، بل بدايتها. المؤسسة نفسها يجب أن تكون قادرة على استقبال المعرفة وفهمها وتكييفها وتحويلها إلى ممارسة مستقرة.
وهنا تظهر أهمية ما يمكن تسميته القدرة الاستيعابية المؤسسية. فالخبير الذي يأتي ليدرب مجموعة من العاملين قد يقدم قيمة مهمة، لكن القيمة تصبح أكبر بكثير إذا تحولت خبرته بعد مغادرته إلى منهج أو دليل عمل أو نظام أو قاعدة معرفة أو برنامج تدريبي أو سياسة مؤسسية. عندها لا تبقى المعرفة مرتبطة بالشخص الذي نقلها، بل تتحول إلى قدرة تستطيع المؤسسة الاحتفاظ بها وتطويرها. وهذا هو الفارق بين الاستفادة المؤقتة من خبير وبين بناء معرفة وطنية قابلة للتراكم.
كما أن نقل الخبرة لا يعني استيراد نماذج جاهزة. فالسوداني الذي عمل سنوات في بريطانيا أو الخليج أو أوروبا أو غيرها اكتسب معرفة مرتبطة ببيئة لها قوانينها ومواردها وثقافتها وبنيتها المؤسسية. ولذلك لا ينبغي أن يكون الهدف هو نسخ تلك التجارب كما هي، وإنما فهم ما يمكن الاستفادة منه، ثم تكييفه مع الواقع السوداني، واختباره، وتطويره حتى يصبح جزءًا من بيئتنا. المعرفة الناجحة ليست التي تنتقل كما هي، وإنما التي تستطيع أن تجد لها مكانًا في الواقع الجديد.
وعند هذه النقطة يتجاوز الأمر قضية (هجرة العقول) إلى قضية أوسع تتعلق ببناء اقتصاد المعرفة. فإذا أصبحت الخبرات السودانية في الخارج مرتبطة بمشروعات حقيقية داخل البلاد، فقد يمتد أثرها إلى الصناعة والزراعة والصحة والتعليم والتكنولوجيا والإدارة والبحث العلمي وغيرها من القطاعات. وعندها لا يعود الشتات مجرد نتيجة جغرافية لخروج الناس، بل يمكن أن يصبح امتدادًا معرفيًا واقتصاديًا لقدرة الداخل.
ومع ذلك، ينبغي أن تكون الصورة واضحة: الشتات لا يستطيع أن يبني السودان بدلًا عن السودان. أصحاب الدور الأساسي هم الذين يعيشون داخل الوطن، ويواجهون واقعه اليومي، ويعملون في مؤسساته، ويعرفون تفاصيل مجتمعه. أما السودانيون في الخارج فيمكن أن يكونوا شركاء، ومستثمرين، ومستشارين، وباحثين، ومدربين، وجسورًا تصل السودان بالعالم. إنهم ليسوا بديلًا عن الداخل، وإنما يمكن أن يصبحوا امتدادًا لقدراته إذا وجدت العلاقة الصحيحة بين الطرفين.
ولهذا ربما نحتاج إلى تغيير اللغة التي نتحدث بها عن هذه القضية. بدل أن يكون الهدف «استعادة العقول المهاجرة»، يمكن أن يصبح الهدف تعبئة رأس المال المعرفي السوداني العالمي. وبدل أن نحصر القضية في «إعادة المغتربين»، يمكن أن نفكر في إعادة ربط السودانيين بوطنهم بطرق متعددة. وبدل أن ننظر إلى الموارد القادمة من الخارج باعتبارها تحويلات مالية فقط، يمكن أن نوسع الرؤية لتشمل المعرفة والخبرة والعلاقات والاستثمار والتكنولوجيا والبحث والشراكات.
لكن هذا لن يحدث بالعاطفة وحدها. نحن بحاجة إلى منظومة تعرف الكفاءات، وتفهم الاحتياجات، وتربط الخبرة بالمشروع، وتحدد آليات المشاركة، وتتابع النتائج، وتضمن أن ما يدخل إلى المؤسسة من معرفة لا يخرج منها بمجرد انتهاء مهمة صاحبه. عندها فقط يمكن أن يتحول الحديث عن «دوران العقول» و«شبكة العقول» من فكرة جميلة إلى ممارسة وطنية لها أثر قابل للقياس.
وربما لم يعد السؤال الأكثر فائدة هو: كيف نعيد السودانيين إلى السودان؟ فهذا السؤال يفترض أن العودة لا تكون إلا بالعودة الجغرافية. السؤال الأوسع والأكثر عملية هو: كيف نجعل السودان يستفيد من السودانيين أينما كانوا؟
فليس المطلوب أن يعود كل عقل إلى السودان، وإنما أن تتحرك المعرفة بين السودان وعقول أبنائه في العالم، وأن تتحول الخبرة الفردية إلى مشاركة، والمشاركة إلى مشروع، والمشروع إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى قدرة وطنية. وعندما يحدث ذلك، يصبح الشتات أكثر من ظاهرة جغرافية؛ يصبح موردًا استراتيجيًا يمكن أن يضيف إلى قوة السودان بدل أن يبقى عنوانًا دائمًا للخسارة.
وربما تكون الخطوة التالية هي السؤال الذي يفتح بابًا جديدًا تمامًا: ماذا تعلم السودانيون من العالم الذي عاشوا فيه؟ ليس في الثقافة والحياة الاجتماعية وحدهما، وإنما في الاقتصاد والعلوم والصناعة والزراعة والطب والتعليم والتكنولوجيا والإدارة، والأهم: كيف يمكن تحويل تلك التجارب إلى معرفة سودانية جديدة؟
فربما لا تكون القضية في أن يعود العقل إلى الوطن، وإنما في أن يجد الوطن طريقًا إلى العقل، أينما كان.
د. مختار خضر بشراب











إرسال تعليق