حكايتهن… حكايتي: رسائل إلى نساء السودان «2»

  • بتاريخ : 31 يناير، 2026 - 8:51 ص
  • الزيارات : 38
  • بقلم / د. ناهد محمد الحسن

    (طبيبة نفسية، كاتبة صحافية، وروائية)

    الرسالة الثانية: من الأرجنتين

    عن أمهات ميدان مايو– Madres de Plaza de Mayo

    حين يتحوّل الفقد إلى ذاكرة.. والذاكرة إلى مقاومة.. حيث لم تبدأ حكاية الامهات بشعار… بخطة سياسية… ولا بنداء ثوري.

    بدأت بأمٍ تبحث عن ابنها.

    في الأرجنتين، بين عامي 1976 و1983، عاشت البلاد تحت حكم عسكري دموي عُرف بـ الحرب القذرة Guerra Sucia

    في تلك السنوات، اختفى نحو ثلاثين ألف شخص… لا جثث ظهرت.. لا محاكم أقيمت… ولا دولة تواضعت واعترفت.

    أُخذوا أبنائهن من البيوت، من الجامعات، من الشوارع، من أماكن العمل… ثم ابتلعتهم الدولة.

    الأمهات لم يُخبَرن بشيء.

    قيل لهن: لا نعرف.

    ثم: انسين.

    ثم: اسكُتن.

    لكن الصمت لم يكن خيارًا.

    في أبريل 1977، خرجت مجموعة صغيرة من النساء إلى ميدان مايو– Plaza de Mayo، أمام القصر الرئاسي في بوينس آيرس.

    لم يحملن لافتات سياسية.

    حملن صور أبنائهن.

    لم يهتفن.

    مشين في دوائر صامتة، لأن التجمع كان ممنوعًا.

    هكذا وُلدت حركة Madres de Plaza de Mayo.

    في علم السياسة، يُقال إن الاستبداد يسيطر حين يحتكر العنف والمعنى معًا.

    ما فعلته هؤلاء النساء هو كسر هذا الاحتكار، لا بالقوة، بل بالوجود.

    وجود أجساد أمهات في ساحة عامة، أسبوعًا بعد أسبوع، يُذكّر الدولة بما تريد محوه.

    لم تكن هؤلاء النساء ناشطات.

    كنّ ربات بيوت، عاملات، أمهات من طبقات مختلفة.

    السياسة دخلت حياتهن حين دخل الجنود بيوتهن.

    في الأنثروبولوجيا، الأمومة ليست فقط علاقة بيولوجية، بل موقع أخلاقي واجتماعي.

    حين تقف أم وتسأل: أين ابني؟

    فهي لا تطلب معلومة، بل تُعرّي كذبة الدولة.

    تُجبرها على مواجهة سؤال لا يمكن قمعه:

    كيف تحكمين وأنتِ تُخْفين أبناءنا؟

    الدولة ردّت بالعنف.

    في ديسمبر 1977، اختُطفت ثلاث من مؤسسات الحركة، بينهن أزوسينا فيلافلور– Azucena Villaflor.

    عُذّبن. قُتلن. أُلقيت جثثهن في البحر.

    كان المقصود واضحًا: إخافة الأخريات.

    لكن ما حدث كان العكس.

    تشارك الناس مخاوفهن والأمهات واصلن المشي.

    ارتدين أوشحة بيضاء، في الأصل حفاضات أطفال، كأنهن يقلن:

    نحن هنا لأنكم أخذتم أبناءنا، ولن نغادر.

    لم تُنهِ الأمهات الديكتاتورية وحدهن.

    لم يُعِدْن كل المفقودين.

    لكنهن فعلْن شيئًا بالغ الخطورة:

    جعلن الاختفاء القسري جريمة لا يمكن إنكارها اجتماعيًا.

    في علم الاجتماع، هذا يُسمّى نزع التطبيع.

    حين يصبح ما اعتادت السلطة فعله موضع خجل علني، حتى لو لم تتغير القوانين فورًا.

    لاحقًا، بعد سقوط الحكم العسكري، ساهم ضغط الأمهات في فتح ملفات الجرائم، وفي نشوء حركات أخرى، أبرزها جدّات ميدان مايو– Abuelas de Plaza de Mayo، اللواتي بحثن عن الأطفال الذين وُلدوا في السجون وسُلّموا لعائلات موالية للنظام.

    حتى اليوم، ما زالت هويات تُستعاد بعد عقود.

    لكن القصة ليست انتصارًا كاملًا.

    بعض الأمهات توفين دون أن يعرفن مصير أبنائهن.

    الدولة ساومت، وراوغت، وأعادت إنتاج العنف بأشكال أخرى.

    ومع ذلك، لم يُمحَ الأثر.

    ما الذي تعلّمه هذه الحكاية لنساء السودان؟

    أن السؤال البسيط قد يكون أخطر من الشعار.

    أن الوقوف في مكان عام، بصفة “أم”، “أخت”، “زوجة”، ليس حيادًا، بل تحدٍ مباشر لمنطق الحرب.

    أن تحويل الألم إلى ذاكرة جماعية يمنع السلطة من دفنه.

    في السودان، نعرف الاختفاء.

    نعرف الأمهات اللاتي ينتظرن اتصالًا لا يأتي.

    نعرف البيوت التي بقيت مفتوحة على الغياب.

    ونعرف كيف تُستخدم تهمة “التعاون مع العدو” لإسكات كل من يطالب بالحياة.

    أمهات ميدان مايو لم يسألن:

    من العدو؟

    سألن: أين أبناؤنا؟

    وهذا الفرق جوهري.

    الرسالة من الأرجنتين ليست دعوة لتكرار التجربة حرفيًا.

    ولا تقول إن النساء سيُنهين الحرب وحدهن.

    لكنها تقول شيئًا واضحًا:

    حين تتكلم الأمهات من موقع الفقد، لا من موقع الاصطفاف، تهتزّ شرعية الحرب نفسها… أمهات ميدان مايو لم يعشن في عصر الانترنت والسوشيال ميديا.. نحن نعيش في هذا العصر… ارفعوا صور الموتى.. المفقودين.. الذين تعرضوا للتعذيب.. الناجيات من الاغتصاب… شاركوا الحكايات ووثقوا.. العدالة الجنائية تحتاج الى سجلات والى حراس.. يقفون ليل نهار من اجل ان تتحقق العدالة.. وهذا جهد لا تقدر عليه غير قلوب الامهات..

    يمكنكن ان تشاركن هنا حكاياتكن… صور ابناءكن وبناتكن المفقودات.. حكاياتهم. إذا لم يكن في ذلك خطرا عليكم.. ويمكنك ان تشاركيها سرا من اجل التوثيق والمطالبة لتصل للمنظمات المهتمة بهذا الامر.. لا تغلقي على وجعك.. هو ليس وجعك وحدك.. ولن يحرر شيئا.. محبتي..

    في الرسالة القادمة، سنذهب إلى مكان آخر، بحكاية مختلفة:

    حيث لم يكن الفقد اختفاءً، وانما إبادة جماعية،

    وسنرى ماذا فعلت النساء هناك… وماذا لم يستطعن فعله.

    هذه ليست قصصًا بعيدة.

    هذه مرايا.

    مقالات ذات صلة

    من دفاتر الزمن الجميل…رحلة العمر و مشوار السنين (7)
    أبريل 17, 2026

    من دفاتر الزمن الجميل…رحلة العمر و مشوار السنين (7)

    بقلم الطيب مضوي شيقوق كاتب – روائي – محامي الحلقة السابعة ذاكرة النهر والمواسم: الدندر كما كانت تُروى لم تكن الدندر وقراها مجرد امتدادٍ جغرافيٍّ على الخريطة، بل كانت فضاءً تتشكل فيه الحياة كل عام من جديد، حين تمتزج السماء بالأرض في لحظةٍ كأنها وعدٌ قديم، فتنهض الأرض من سكونها، وتستعيد المواسم نبضها الأول. هناك، […]

    *هل عجزت آمنة أم ضاع صبري ؟ قضية شركات المشرّف*
    أبريل 17, 2026

    *هل عجزت آمنة أم ضاع صبري ؟ قضية شركات المشرّف*

    بقلم/صبري محمد علي (العيكورة)     والسيدة آمنة ميرغني هي محافظ بنك السودان الحالي وصبري لك حرية أخذها بالمعنيين والقصة …. سبق أن كتبنا عنها بتاريخ العاشر من يناير الماضي أي قبل ثلاثة أشهر و(غرابة) القصة …. تكمن في عدم تنفيذ أحكام القضاء وإذا إستصحبنا أن بنك السودان (كانت) على إدارته (قحط) فما باله و […]

    في مقال كتبه للجزيرة، دكامل إدريس : سنُبعد من حكومة الأمل كل من  تحوم حوله شبهة الفساد
    أبريل 17, 2026

    في مقال كتبه للجزيرة، دكامل إدريس : سنُبعد من حكومة الأمل كل من تحوم حوله شبهة الفساد

    بقلم/د.كامل إدريس “رئيس الوزراء السوداني” حينما زرت مجلس الأمن الدولي في ديسمبر/كانون الأول الماضي لتقديم رؤية حكومة الأمل للسلام في السودان، كنت أحدق في هذه الردهات التي خبرتها؛ بسبب عملي لسنوات طوال في الأمم المتحدة. كان بالي مشغولا في اتجاه آخر إلى بلدي، حيث احتلت مخيلتي صورة أولئك البسطاء الذين شردتهم مليشيا الدعم السريع من […]

    وهم الملكية الوطنية في مؤتمر برلين حول السودان: عندما تُدار السيادة من الخارج
    أبريل 17, 2026

    وهم الملكية الوطنية في مؤتمر برلين حول السودان: عندما تُدار السيادة من الخارج

    *حوارات حول الأفكار(116)* بقلم / د. حيدرمعتصم مدني “مدير مركز الخ طوم للحوار” “في برلين، حيث تُصاغ الحلول للسودان، يُطلب من السودانيين أن يؤمنوا بأنهم هم من يقودونها.هكذا يتجسد ‘وهم الملكية الوطنية’ في أوضح صوره: لغة سيادية تُخفي بنية إدارة خارجية مكتملة.” ليست المشكلة في مؤتمر برلين حول السودان أنه يتحدث عن “عملية سياسية بقيادة […]

    إرسال تعليق

    • التعليقات التي تقوم بإرسالها سيتم نشرها بعد موافقة فريق الإدارة.
    • الرسائل التي تحتوي على افتراء أو اتهام لن يتم نشرها.
    • الرسائل التي تكون بغير اللغة العربية أو غير مرتبطة بالموضوع لن يتم نشرها.