دمج القوات ليس “حلمًا ورديًا” يامناوي، وضعف الدولة لايبرر احتفاظك بجيشك

  • بتاريخ : 25 أغسطس، 2026 - 11:10 ص
  • الزيارات : 1
  • نبض للوطن|| أحمد يوسف التاي

    (1)

    التصريحات التي أدلى بها حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي حول استحالة حل الجيوش المتعددة ودمجها في جيش وطني واحد لعدم وجود دولة أصلًا لتقوم بهذه العملية، لهي حقًا تصريحات كثيرة ومستفزة، وتستبطن الكثير الذي قد يقال والذي قد لايقال..
    (2)
    المفارقة في طرح مناوي الجديد والذي بدا أشبه بالتنصل عن فكرة دمج قواته في الجيش، أنه أعاد ذات طرح حميدتي الذي يريد لجيشه فترة قدرها (10) سنوات لدمجه في الجيش، والاخطر كن كل ذلك أن مناوي يريد الاحتفاظ بقواته بحجة عدم وجود دولة، وعدم وجود جيش.
    على أية حال التصريحات أثارت جدلاً واسعاً، خصوصاً عندما وصف فكرة الدمج هذه بأنها أقرب إلى «الأحلام الوردية»، بحجة عدم وجود دولة أصلا.
    المفارقة أيضًا أن مناوي نفسه سبق أن دعا إلى قيام جيش سوداني واحد، واعتبر توحيد المؤسسة العسكرية شرطاً للاستقرار والديمقراطية. لذلك فإن السؤال المشروع هو: ما الذي تغير حتى أصبحت الفكرة التي كانت بالأمس ضرورة وطنية مجرد حلم وردي؟
    (3)
    لا خلاف على أن الدولة السودانية تعاني ضعفاً مؤسسياً عميقاً، وأن الحرب أضعفت مؤسساتها وسيادتها، لكن هناك فرقاً بين القول إن الدولة ضعيفة أو مأزومة وبين القول إنها غير موجودة لتبرير استمرار قواته في الاحتفاظ بأسلحتها..!!.
    فضعف الدولة ليس مبرراً لاستمرار تعدد الجيوش، بل هو أحد الأسباب التي تجعل دمج الجيوش المتعدد في المؤسسة العسكريةضرورة ملحة.
    والأهم أن السودان دفع ثمناً باهظاً لوجود أكثر من قوة عسكرية ذات قيادة مستقلة. ولعل الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع قدمت الدليل الأكثر وضوحاً على خطورة وجود جيشين كبيرين داخل دولة واحدة.
    (4)
    ولا أظننا بحاجة للتذكير بأن الخلاف حول المدة الزمنية لدمج الدعم السريع في القوات المسلحة واحداً من أبرز نقاط الخلاف الجوهرية بين حميدتي والبرهان والقوى السياسية خلال المرحلة الانتقالية. وإذكان مناوي اليوم قد لمح بضرورة فترة زمنية تصل (10) لدمج القوات المتعددة في الجيش ، فقد طرح الفكرة نفسها حميدتي الذي أراد أن تتم عملية الدمج خلال عشر سنوات، بينما كان الاتجاه الآخر يدفع نحو فترة أقصر، وهو خلاف لم يكن فنياً محضاً، بل ارتبط بسؤال جوهري: من يملك القرار العسكري والسيادي في الدولة؟
    ومن هنا تبدو خطورة تحويل قضية توحيد الجيش إلى مجرد «حلم وردي».. نعم، الدمج ليس عملية سهلة، ولا يمكن أن يتم بمجرد جمع المقاتلين ومنحهم رتباً عسكرية. إنه يحتاج إلى إصلاح مؤسسي، ومعايير مهنية، وإعادة هيكلة، وتحديد من يستحق الاندماج ومن ينبغي تسريحه، فضلاً عن معالجة قضايا القيادة والعقيدة العسكرية والولاء والمساءلة.
    (5)
    في تقديري أن صعوبة التنفيذ لا تعني استحالة الهدف.
    كما أن الدعوة إلى جيش واحد لا ينبغي أن تعني الإبقاء على الجيش في صورته القديمة دون إصلاح، فالإصلاح عملية مستمرة تطال كل مؤسسات الدول، والسودان ليس استثناءً. السودان يحتاج إلى مؤسسة عسكرية وطنية مهنية، قومية، غير مسيسة، وغير خاضعة للقبيلة أو الجهوية، وتكون في النهاية تحت سلطة مدنية دستورية منتخبة.
    المشكلة السودانية ليست نقص الرجال والسلاح، وإنما غياب القاعدة التي تجعل السلاح تابعاً للدولة، لا الدولة رهينة للسلاح.
    ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يمكن توحيد الجيوش؟
    بل: كيف نوحدها بطريقة صحيحة وعادلة؟
    أما القول إن الدولة غير موجودة ولذلك لا يمكنها نزع سلاح القوات ودمجها، فإنه يقلب المعادلة رأساً على عقب؛ لأن تعدد الجيوش هو نفسه أحد أهم أسباب ضعف الدولة. وإذا ظل غياب الدولة مبرراً لبقاء الجيوش، وظل بقاء الجيوش سبباً لغياب الدولة، فسيظل السودان يدور في الحلقة المفرغة نفسها.
    (6)
    لقد أثبتت تجربة السودان أن وجود جيشين ليس مشروع خبيث لزعزعة الاستقرار، وإزاء ذلك يمكن أن يتحول الأمر إلى قنبلة مؤجلة الانفجار.
    لذلك فإن الجيش الواحد ليس حلماً وردياً، وإنما مشروع صعب وضروري. والبديل عنه ليس دولة أكثر استقراراً، بل استمرار تعدد مراكز القوة المسلحة، وهو ما أثبتت الحرب أنه الطريق الأقصر إلى انهيار الدولة وتمزيق المجتمع.
    المطلوب إذن ليس تسويق الدمج كشعار، ولا رفضه باعتباره حلماً، وإنما وضع مشروع وطني واضح لبناء جيش مهني موحد، وإصلاح مؤسسات الدولة بالتوازي معه…اللهم هذا قسمي فيما أملك..
    نبضة أخيرة:
    ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق إنه يراك في كل حين.