الدندر والصمغ العربي… ثروة السودان التي تنتظر حسن الإدارة

  • بتاريخ : 25 أغسطس، 2026 - 6:52 ص
  • الزيارات : 10
  • بقلم / الإمام عبداللطيف الإمام

    جاءت ورشة اقتصاديات الصمغ العربي وأثرها على محمية الدندر الاتحادية، التي انعقدت مؤخرًا برئاسة إدارة المحمية، لتفتح من جديد ملفًا بالغ الأهمية بالنسبة لمستقبل الاقتصاد السوداني، ولتؤكد في الوقت نفسه ما سبق أن تناولناه حول محمية الدندر والصمغ العربي باعتبارهما ثروة اقتصادية وبيئية لا يجوز أن تظل خارج دائرة التخطيط الوطني.

    فالخبر الأبرز الذي خرجت به الورشة أن محمية الدندر تُعد من أهم وأكبر مناطق إنتاج الصمغ العربي في السودان، *وأنها تنتج نحو 65% من صمغ الطلح، بينما ينتج السودان نحو 98% من هذا النوع*، بحسب ما ورد في أوراق الورشة.

    هذه الأرقام، إن تأكدت بالدراسات والإحصاءات الرسمية، تكشف عن حجم استثنائي للثروة التي تختزنها الدندر، وتطرح سؤالًا أكبر: هل نستطيع أن نحول هذه الميزة الطبيعية إلى قيمة اقتصادية حقيقية تسهم في إعادة بناء السودان؟

    في تقديري، الإجابة نعم، ولكن بشرط أن نغيّر طريقة تفكيرنا في الصمغ العربي ومحمية الدندر.
    فالدندر ليست مجرد محمية للحياة البرية، والصمغ العربي ليس مجرد محصول يُجمع ثم يُصدر خامًا. نحن أمام منظومة متكاملة يمكن أن تجمع بين الإنتاج، والتصنيع، وحماية البيئة، وتنمية المجتمعات المحلية، والحياة البرية، والسياحة البيئية.
    وهنا تكمن الفرصة الحقيقية.

    لقد ظل السودان لعقود طويلة يصدر جانبًا كبيرًا من موارده في صورتها الخام، بينما تذهب القيمة المضافة الأكبر إلى الدول التي تقوم بالتصنيع والتعبئة والتسويق. والصمغ العربي ليس استثناءً من هذه القاعدة.

    لذلك فإن توصية الورشة بتشجيع المستثمرين على *إنشاء مصانع للصمغ العربي* يجب أن تتحول من توصية إلى سياسة اقتصادية واضحة. فنحن بحاجة إلى صناعة تبدأ من تنظيف الصمغ وفرزه وتصنيفه، وتمتد إلى تصنيع مشتقاته وتعبئتها وتسويقها في الأسواق العالمية.

    والأهم من ذلك أن نستفيد من هذه الصناعة في خلق فرص العمل وتنمية مناطق الإنتاج نفسها.

    لكن لا يمكن أن نتحدث عن زيادة الإنتاج بينما نترك المنتج يواجه منظومة معقدة من الرسوم والجبايات المتعددة. وقد أصابت الورشة كبد الحقيقة عندما أشارت إلى أن تعدد الجبايات من العوامل التي ترفع تكلفة الإنتاج وتضعف القدرة على المنافسة العالمية.

    إذا أردنا لصمغنا العربي أن ينافس في الأسواق الدولية، فعلينا أن نزيل العوائق التي نصنعها بأيدينا.
    ومن هنا فإن إصلاح منظومة الجبايات، وتوحيد الرسوم، وتبسيط الإجراءات، وتوفير البنية الأساسية والتمويل والخدمات، يجب أن تكون جزءًا من أي *استراتيجية وطنية للصمغ العربي*.

    غير أن الجانب الاقتصادي لا ينبغي أن يأتي على حساب البيئة.
    فمحمية الدندر تقوم على منظومة بيئية دقيقة، وأي قطع جائر أو طق غير علمي أو رعي وزراعة بصورة تضر بالغطاء النباتي يمكن أن يهدد المورد نفسه على المدى الطويل.
    ولهذا فإن حماية شجرة الهشاب والطلح ليست قضية بيئية فقط، وإنما قضية اقتصادية بامتياز.
    الشجرة التي تنتج الصمغ اليوم يجب أن تبقى قادرة على الإنتاج غدًا وبعد غد.

    وهنا تأتي أهمية ما أوصت به الورشة من التدريب والتأهيل ورفع الوعي بالطرق العلمية للطق والإنتاج، واستزراع المساحات الخالية، ودراسة آثار التغير المناخي، ومواجهة القطع الجائر والممارسات الضارة.

    أما المجتمعات المحلية، فيجب أن تكون في قلب هذا المشروع.
    فلا يمكن أن نطالب المواطن الذي يعيش حول المحمية بحماية الموارد، بينما لا يرى أثرًا اقتصاديًا مباشرًا منها في حياته اليومية.
    المطلوب أن يتحول المجتمع المحلي من مجرد منتج يتحمل أعباء الرسوم والجبايات إلى شريك حقيقي في الاستثمار والتنمية والحماية، من خلال التدريب، وفرص العمل، وتحسين الخدمات، والمشاركة في إدارة الموارد والاستفادة العادلة من عوائدها.

    وهذا يقودنا إلى رؤية أوسع أعتقد أنها تستحق أن تكون مشروعًا وطنيًا:
    لماذا لا نجعل من محمية الدندر نموذجًا سودانيًا للاقتصاد الأخضر؟
    نموذج يجمع بين الصمغ العربي، وحماية الحياة البرية، والمحافظة على الغطاء النباتي، وتنمية المجتمعات المحلية، والتصنيع، والاستثمار، والسياحة البيئية.

    وبذلك تتحول المحمية من مجرد بند في ميزانية الدولة إلى أصل اقتصادي منتج، وفي الوقت نفسه تبقى محمية تؤدي وظيفتها البيئية والوطنية.

    لقد كانت توصيات الورشة، التي تجاوزت خمسًا وعشرين توصية، خطوة جيدة، لكن الأهم الآن هو ألا تنتهي هذه التوصيات بانتهاء الورشة.
    نحن بحاجة إلى برنامج تنفيذي واضح، يحدد الأولويات والمسؤوليات والتمويل والجداول الزمنية، ويجمع إدارة المحمية والجامعات والمنتجين والمستثمرين والمجتمعات المحلية في شراكة حقيقية.

    إن السودان الخارج من الحرب يحتاج إلى أن يعيد اكتشاف قوته من داخله.
    وقوته ليست فقط في موارده النفطية أو المعدنية، وإنما أيضًا في الأرض والغابات والمياه والثروة الحيوانية والموارد الطبيعية المتجددة.
    والصمغ العربي واحد من أهم هذه الموارد.
    أما محمية الدندر، فهي ليست مجرد محمية نريد أن نحافظ عليها، بل ثروة وطنية نريد أن نحسن إدارتها، ونحميها، ونستثمرها لصالح الإنسان والاقتصاد والبيئة في آن واحد.
    لقد آن الأوان أن ننتقل من الحديث عن ثروات السودان إلى *إدارة هذه الثروات بعلم وكفاءة ورؤية وطنية.*