بقلم / د.محمد عبدالرحمن حسين
تُعد شركة جياد واحدة من أكبر الشركات الوطنية التابعة لمنظومة التصنيع الحربي في السودان، ويقع مقرها الرئيسي في ولاية الجزيرة، الولاية التي كانت لسنوات طويلة قلبا اقتصاديا وصناعيا نابضا للبلاد. وقد درجت الشركة على الإعلان عن مبادرات إنسانية واجتماعية في مختلف الولايات، وهو أمر يُفترض أن يُحسب لها لا عليها. لكن الإشكال الحقيقي لا يكمن في حجم هذه الأعمال، بل في عدالة توزيعها، وفي المنطق الذي يحكم أولوياتها.
المفارقة الصارخة تظهر بوضوح في تبرع شركة جياد بإجلاس الطلاب لجميع مدارس ولاية نهر النيل، وهي ولاية لم تصلها الحرب، ولم تتعرض مدارسها للتدمير، ولم يحرق إجلاسها الخشبي، ولم يُهجّر طلابها قسرا من فصولهم. في المقابل، تقف ولاية الجزيرة، مقر الشركة نفسها، شاهدة على دمار واسع طال المدارس، حيث أُحرق الإجلاس الخشبي بالكامل، وتحوّلت مؤسسات التعليم إلى مبانٍ خاوية بعد أن كانت تضج بالحياة.
السؤال المشروع هنا ليس لماذا تبرعت جياد لنهر النيل، بل لماذا تجاهلت الجزيرة. كيف تُعطى الأولوية لولاية آمنة، بينما تُترك ولاية منكوبة، تحمل مقر الشركة وتاريخها، بلا أي تدخل إنساني يوازي حجم الكارثة. هذا الخلل لا يمكن تبريره بمنطق العمل الإنساني، ولا بمفهوم المسؤولية المجتمعية.
السبب، للأسف، يبدو واضحا للجميع. ولاية نهر النيل كانت ولا تزال الخزان السياسي والإداري لكبار مسؤولي الحكومات السودانية السابقة والحالية. معظم مراكز القرار، والنفوذ، والتأثير، تخرج من هناك. وعليه، تتحول التبرعات من فعل إنساني إلى وسيلة لإرضاء المسؤولين الكبار، وتثبيت العلاقات، وتجميل الصورة أمام مراكز السلطة، لا أمام الشعب المتضرر.
عندما تُدار المساعدات بهذه العقلية، فإنها تفقد معناها الأخلاقي، وتتحول إلى شكل آخر من أشكال التمييز غير المعلن. فالأعمال الإنسانية لا تُقاس بقيمتها المادية، بل بعدالتها، وبقدرتها على الوصول إلى الأكثر حاجة، لا إلى الأكثر نفوذا.
ولاية الجزيرة اليوم لا تحتاج إلى خطابات، ولا إلى صور إعلامية، بل تحتاج إلى إجلاس لطلابها، وبيئة تعليمية تحفظ كرامة الطفل، وتعوض ما دمرته الحرب. وأي مؤسسة وطنية، خاصة تلك التي تتخذ من الجزيرة مقرا لها، مطالبة أخلاقيا قبل أن تكون مطالبة قانونيا بأن تبدأ من حيث الألم الأكبر، لا من حيث الرضا السياسي الأسهل.
إن استمرار هذا النهج يكرّس شعورا عميقا بالظلم، ويغذي الإحساس بأن الدولة ومؤسساتها لا ترى المواطنين بعين واحدة. وإذا كانت شركة جياد حريصة فعلا على دورها الوطني والإنساني، فإن أول خطوة حقيقية هي تصحيح بوصلة العطاء، والاعتراف بأن الجزيرة ليست مجرد مقر إداري، بل ولاية دفعت ثمنا باهظا، وتستحق أن تكون في صدارة الأولويات، لا في ذيلها..
د.محمد عبدالرحمن حسين









إرسال تعليق