ود مدني… يا حرقة يا غرقة!

  • بتاريخ : 10 أغسطس، 2026 - 8:23 م
  • الزيارات : 2
  • بقلم: أمين محمد الجاك عامر – المحامي

     

    قبل يومين تمكنت من الاتصال هاتفيًا بالوالدة، للاطمئنان على صحتها في مدينة ود مدني، بعد الوعكة الصحية التي ألمّت بها. ولحسن حظي، وجدت الإخوان والخالة وبنات الخال معها. وبعد أن استمعت إليها واطمأننت على صحتها،تمكنت من التواصل مع كل الموجودين معها والاطمئنان عليهم. نسأل الله أن يحفظهم ويغطيهم بعنايته ورعايته، وأن يديم عليهم نعمة الصحة والعافية.

     

    وأثناء حديثي معهم، عرفت أن الاستعدادات على قدم وساق هذه الأيام للاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وأن الاستعدادات قد بدأت في ميدان بانت، وأن الخال وأولاده مشغولون هذه الأيام، كعادتهم، في صناعة حلاوة المولد، تلك الحلوى التي ارتبطت في وجداننا منذ الطفولة بفرحة المولد، وبالأيام الجميلة التي كانت تجمع الأهل والجيران والأطفال في ميادين الأحياء.

     

    وقبل أن ينتهي حديثي معهم، أشاروا إلى أن السماء ملبدة بالغيوم، وأنه من المتوقع أن تهطل الأمطار خلال اليوم.

     

    ولم تمضِ سوى فترة قصيرة حتى جاءت الأخبار بما يشبه المشهد الذي تعودنا أن نراه في ود مدني؛ فقد سبقت ذلك أخبار تفيد بأن قسم العناية المركزة في مستشفى مدني قد أصابته صاعقة تسببت في حريق جزئي استدعى تدخل قوات الإطفاء، ثم جاءت في اليوم التالي الأخبار المصورة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لتخبرنا بأن المدينة تعرضت لأمطار كثيفة، وأن ميدان بانت وعددًا من طرقات المدينة قد امتلأت بالمياه.

     

    وفي تلك اللحظة، وجدتني أستدعي من الذاكرة حكايات الحبوبات، وتلك العبارات القديمة التي كنا نستمع إليها في طفولتنا الأولى، ونأخذها أحيانًا مأخذ الجد، دون أن نسأل عن أصلها أو مدى صحتها:

     

    «ود مدني يا حرقة يا غرقة»!

     

    ثم تذكرت حكاية أخرى كانت تُروى لنا عن أن الشيخ العليش لم يكن يبيت في مدني لهذا السبب!

     

    وحين يستعيد الإنسان مثل هذه الحكايات بعد أن يتقدم به العمر، يبتسم لذلك الطفل الذي كان يسكن داخله، والذي كان يصدق كل ما يسمعه من الكبار، ويحوّل الحكاية الشعبية إلى حقيقة، والخرافة إلى خوف، والمقولة إلى كابوس صغير يرافقه في طفولته.

     

    لكنني سرعان ما خرجت من تلك الكوابيس والخرافات، وشحذت همتي، وقلت لنفسي: إن ود مدني التي نعرفها أكبر من حكاية، وأعمق من مقولة، وأجمل من أن تختزل في «حرقة أو غرقة».

     

    وبالفعل، جاءني الاطمئنان من خلال الاتصال الهاتفي، واستقرت الأحوال وعادت الحياة إلى طبيعتها في المدينة، والحمد لله.

     

    ولعل أجمل ما في ود مدني أنها مدينة لا تستسلم بسهولة؛ تتلقى ضربات الزمن، وتقاوم تقلبات الطبيعة، وتواجه المحن، ثم تعود لتفتح أبوابها للحياة من جديد. وكأنها تعرف، منذ زمن بعيد، أن المدن لا تُقاس فقط بما فيها من مبانٍ وطرقات، وإنما بما تختزنه من ذاكرة، وما تتركه في نفوس أهلها من محبة وانتماء.

     

    ود مدني ليست مجرد مدينة عشنا فيها أو مررنا بها؛ إنها بالنسبة لكثير من أهلها ذاكرة كاملة.

     

    فيها البيت الأول، والمدرسة الأولى، ورفاق الطفولة، وملعب الحي، ومجالس الأهل، ورائحة القهوة، وأصوات المؤذنين، وضجيج الأسواق، وهدوء النيل، ومواسم المولد، و«حلاوة المولد» التي كانت تصنعها أيادي الأهل والجيران، فتتحول من مجرد حلوى إلى جزء من طقوس الفرح والذكريات.

     

    وفيها النيل الأزرق، الذي لا يمكن أن تذكر مدني إلا ويأتي ذكره معها؛ ذلك النهر الذي منح المدينة بعضًا من جمالها وخصوبتها، وفي الوقت نفسه ظل حاضرًا في ذاكرتها بما يحمله من مواسم فيضان ومياه.

     

    ولذلك ربما كانت مقولة «ود مدني يا حرقة يا غرقة» تجد طريقها إلى الذاكرة الشعبية؛ بين حرارة الصيف وغزارة الأمطار ومياه النيل، وإن كنا حتى اليوم لا نملك دليلًا تاريخيًا قاطعًا يحدد أصل هذه العبارة أو أول من أطلقها.

     

    لكن المؤكد أن ود مدني كانت، وما زالت، حاضرة في وجدان أهل السودان، وفي وجدان الشعراء والفنانين على وجه الخصوص.

     

    يكفي أن نستعيد رائعة الفنان الكبير محمد الأمين، من كلمات الشاعر الكبير خليل فرح، وهي من أكثر الأغنيات التي اختزلت الشوق إلى المدينة:

     

    «روحي ليه مشتهية ود مدني

    ليت حظي يسمح ويسعدني

    طوفة فد يوم في ربوع مدني»

     

    ثم تتوالى كلمات خليل فرح، فتتحول المدينة في الأغنية إلى أبٍ وحبيب وموطن للروح:

     

    «كنت أزور أبويا ود مدني

    وأشكي ليه الحضري والمدني

    آه على حشاشتي ودجني

    وحنيني ولوعتي وشجني

    آه دار أبويا ومتعتي

    وعجني يا سعادتي وثروتي ومجني»

     

    وإذا كانت أغنية خليل فرح قد جعلت من مدني «دار أبويا»، فإن أغنية «مدني الجميلة»، من كلمات الشاعر جمال عبد الرحيم وألحان وأداء الفنان فتّاح السقيد، أعادت تقديم المدينة بذاكرة أكثر التصاقًا بالطفولة والشباب:

     

    «إنتي من وين يا بنية

    وناوية على وين السفر؟

    قلتي لي مدني الجميلة

    مدني يا أجمل خبر

    فيها قضيت الطفولة

    وفيها شاب عمري وكبر

    أذكر أيامنا الجميلة

    مجلس النيل في العصر

    قبة السني وبيوتنا

    عامرة حلقات الذكر

    عشنا أيام حلوة فيها

    خالدة على مر الدهر»

     

    وهنا تكمن الحكاية الحقيقية لود مدني.

     

    فليست مدني في ذاكرة أبنائها «حرقة» ولا «غرقة»؛ وإنما هي طفولة وشباب وذكريات وأهل وأصدقاء ونيل ومولد وبيوت وطرقات.

     

    وحتى عندما تبتل شوارعها بالمطر، أو تضربها صاعقة، أو تتعثر بعض خدماتها، فإن أهلها لا يرون فيها مدينة غارقة؛ بل يرون المدينة التي يعرفونها، المدينة التي ينتظرون عودتها إلى عافيتها، ويحنون إليها كلما ابتعدوا عنها.

     

    ولعل الحرب التي أبعدت كثيرًا من أبنائها عن مدنهم وأحيائهم جعلتنا ندرك قيمة المكان بصورة مختلفة. فقد كنا نظن أن الوطن هو المكان الذي نسكن فيه، ثم اكتشفنا بعد الغربة والنزوح أن الوطن قد يكون صوت أم في الهاتف، أو رائحة شارع، أو اسم حي، أو أغنية قديمة، أو مجلسًا على النيل، أو حتى قطعة من حلاوة المولد صنعتها يد خالٍ أو قريب.

     

    ومن هنا كانت مكالمتي للوالدة أكثر من مجرد اتصال للاطمئنان على صحتها؛ كانت، في الحقيقة، رحلة قصيرة إلى ود مدني.

     

    سمعت أصوات الأهل، وعرفت أن الخال وأولاده مشغولون بحلاوة المولد، وتخيلت ميدان بانت يستعد لاستقبال المناسبة، ورأيت في مخيلتي الغيوم وهي تتجمع فوق المدينة، ثم جاء المطر، فتذكرت حكايات الطفولة، ثم عدت إلى الواقع وأنا أحمد الله أن الوالدة بخير، وأن الأهل بخير، وأن المدينة ــ رغم كل ما مر بها ــ ما زالت تنبض بالحياة.

     

    سلامٌ على ود مدني، وعلى أهلها، وعلى النيل الذي يمر بها، وعلى بانت وميدانها، وعلى عاشقي ومحبي حي بانت وأهله، المهندس البارع سامي صلاح، وعصام حسين المحامي الكاتب والأديب، والخليفة نزار ميرغني، وكابتن مبارك سليمان، وياسر سعيد مجذوب، على سبيل المثال وليس الحصر، وعلى أحيائها وبيوتها ومساجدها وأسواقها ومدارسها.

     

    وسلامٌ على أمهاتنا اللواتي ما زلن يحتفظن في أصواتهن بمفاتيح أبواب الطفولة.

     

    وسلامٌ على كل من فرّقتهم الحرب عن مدينتهم، وما زال قلبه هناك.

     

    أما «ود مدني يا حرقة يا غرقة» فدعونا نتركها للحكايات القديمة، وللحبوبات وذاكرة الطفولة؛ فقد تكون المدينة عرفت الحر، وعرفت الغرق، وعرفت الحرب والنزوح، لكنها عرفت أيضًا الحب والجمال والصمود.

     

    ولذلك، عندما نذكرها اليوم، لا نقول:

     

    ود مدني يا حرقة يا غرقة…

     

    بل نقول:

     

    ود مدني يا دار أبويا،

    يا مدني الجميلة،

    يا أجمل خبر،

    يا مدينةً كلما ابتعدنا عنها، ازددنا إليها حنينًا.

     

    حفظ الله أهلنا في ود مدني، وحفظ أمهاتنا وآباءنا وأهلنا جميعًا، وردّ إليها عافيتها وأمنها وسلامها، وردّ إليها أبناءها الذين فرقتهم الحرب، وجمع شمل أهل السودان في وطن آمن معافى.

     

    ود مدني… ستظل في الوجدان، مهما طال السفر