قهوتي|| شذى عبد الله طه
في زمن امتلأت فيه القلوب بالركض، والعقول بالإنهاك، صارت الحاجة إلى الفضفضة شبه ضرورة. الإنسان بطبيعته يبحث عن صدر يستند إليه، وعن أذن تستقبله دون حُكم، وعن كلمة تباغته في منتصف الوجع فتُطمئنه. نبوح لأن الصمت أثقل من قدرتنا، ونفتح نوافذنا لأن الداخل مظلم، ونقصّ على الآخرين ما لا نقوله لأنفسنا. لكن الحقيقة التي نتجاهلها أحيانًا هي أن الفضفضة ليست دائمًا أمانًا… وأن المنصتين ليسوا دومًا كما نتصوّر.
ليس كل من يجلس أمامك قادرًا على حمل سرّك، وليس كل من يظهر الاهتمام يملك الحياد. بعض الأشخاص يصغون ليعرفوا، لا ليفهموا. وبعضهم ينتظر ثغرة صغيرة ليحوّل حكايتك إلى رواية جاهزة للسرد. وآخرون قد يخونونك بلا سبب سوى أن لحظة ضعفك كانت بالنسبة لهم فرصة. لذلك نقول: لا تُكثِر من الفضفضة… ليس لأن الناس سيئون، بل لأن القلوب تتقلّب، والنوايا تتبدل، والمواقف تُغيّر أكثر الأشخاص قربًا.
ومع ذلك، لا يمكن للإنسان أن يعيش بلا حكي. نحن نحتاج إلى أن نُسمع كما نحتاج إلى أن نتنفس. لكن الفضفضة مثل البحر؛ إن اقتربت منه أكثر مما يجب ابتلعك. وإن وقفت بعيدًا ضاعت حاجتك للراحة. الحكمة أن تجد المسافة التي لا تغرقك ولا تجعلك عطشًا.
هناك تجارب كثيرة تجعل الإنسان يعيد حساباته في الكلام. كلمة قالها لغيره وعادت إليه بطريقة لم يتخيلها. سرّ شاركه بطيبة فأصبح مادة لحديث مجالس. جرح كشفه ووجد من يستخدمه سلاحًا ضده. حينها يدرك أن الصمت ليس جفاءً، بل حماية. وأن الانتقاء ليس سوء ظن، بل وعي. وأن الاحتفاظ ببعض التفاصيل لنفسك ليس أنانية… بل ضرورة للبقاء بحالة سليمة.
وليس المقصود بالفضفضة هنا الأسرار الكبيرة فقط، بل تلك التفاصيل الصغيرة التي إن خرجت من فمك صارت قابلة للتأويل، وللزيادة والنقصان، وللتداول مثل ورقة تطوف بين الأيدي. الكلمات التي تقولها بثقة قد يفسّرها الآخرون بألف طريقة. والنية الطيبة لا تمنع سوء الظن إذا وقع في قلب من لا يرى الأشياء إلا من زاويته الخاصة.
ومع هذا كله، هناك أشخاص نادرون، يشبهون البيوت الآمنة. يسمعونك دون أن يثقلوك، يفهمونك دون أن يحاسبوا أخطاءك، ويحفظون ما تقوله لأنهم يعرفون قيمته بالنسبة لك. هؤلاء يُعرفون بما يفعلونه، لا بما يقولونه. يثبتون وجودهم بالصبر على مزاجك، وبالرفق في كلامهم، وبالستر على حكاياتك. لكن هؤلاء لا يُصادَفون بسهولة… وإن صادفت أحدهم، فأنت محظوظ أكثر مما تظن.
أما في غالب الأيام، فالإنسان يحتاج أن يصير وطن نفسه. يخزّن أسراره في داخله كما تُخزّن الأرض المطر. يتحدث بقدر، ويصمت بقدر، ويحكي فقط لمن قدّم له اختبار ثقة حقيقي. لا يمنح قصته لمن أحب سماعها، بل لمن يستحق حملها. فالكلمة حين تخرج، لا تعود. والسرّ حين يُقال، يصبح نصفه ملكًا لغيرك.
الفضفضة ليست خطأ، لكن الإفراط فيها خطيئة بحق الذات. لأن أكبر الخيانات لا تأتي من الغرباء، بل من الذين جلسنا أمامهم باعتقاد أنهم لن يطعنوا. ولذلك عليك أن تتعامل مع قلبك كشيء ثمين، ومع جروحك كأشياء لا يستوعبها الجميع، ومع كلامك كعبء لا يليق بكل الأكتاف.
وفي لحظة ما، ستكتشف أن قوة الإنسان ليست في قدرته على الكلام، بل في قدرته على الاختيار: متى يتحدث؟ ولمن؟ وبأي قدر؟
ويبقى السؤال الذي يواجهه كل قلب خُذل مرة واحدة على الأقل:
هل نحتاج لمن يسمعنا فعلًا… أم نحتاج أن نتعلم سماع أنفسنا أولًا؟
قهوتي أحب شربها باردة.











إرسال تعليق