بقلم/ حاتم السر سكينجو المحامي
(وزير، ومرشح سابق لرئاسة الجمهورية)
مع أمطار الخريف وانكسار الحرارة، تشهد الخرطوم هذه الأيام حراكاً سياسياً مكثفاً ومشاورات متصلة، إيذاناً بتدشين حوارٍ سودانيٍّ سودانيٍّ من داخل البلاد.
تمهيداً لهذه المرحلة، انخرط الرئيس البرهان في لقاءات مكثفة بالقصر الرئاسيّ بالخرطوم. شملت اللقاءات أصحاب المصلحة الحقيقيين: قيادات الكتل السياسية، وزعماء الإدارة الأهلية، ومشايخ الطرق الصوفية، والشخصيات الوطنية المستقلة من الأكاديميين والمهنيين، ولجان المقاومة، وأطرافاً أخرى عديدة من مكونات المجتمع السودانيّ.
لمرتين، واحدة باختياري، وأخرى باختياره، سمعتُ من الرئيس البرهان خطوطاً عامةً لهذا المسار الوطني، الذي أدعمه أبدًا بلا تحفظ. وعرفتُ بعض التفاصيل من مستشاره الرئاسي النابه النشيط علاء الدين محمد عثمان، الذي أحالتني إليه كثرة الأسئلة، وخِلتْ أنّي أثقل عليه، لكنّي وجدته دينمو الحوار، باتساع أخلاقه، وسعة نفسه ومعارفه، والأهم قدرته العملية الكبيرة، المدعومة فيما يبدو بثقة الرئيس فيه، وإدراكه فخاخ الفشل الكثيفة وأولها عدم استذكار العبر من فشل الحوارات السلطوية والتي لم تفض سوى إلى سوس، فهذه المرة، الشعار والفرصة واحدة، ولا يمكننا الإفلات إن فشلنا في الوصول به إلى رضا الشعب والوصول الي انتخابات وحكومة رشيدة في دولة جديدة، تحمل آمال الشعب السوداني إلى المستقبل. وقد تركزت المشاورات على تعزيز التوافق الوطنيّ بين السودانيين، وإنجاز مشروعٍ وطنيٍّ متوافقٍ عليه لصالح الوطن والمواطن، ورسم مستقبل السودان بمشاركة الجميع، وتهيئة المناخ وترتيب الأولويات قبل الانطلاقة الوشيكة.
فرق العمل، التي نلتقيها، فجأة وتغيب، وقبل العتب عليها نعذرها، فهي لا تكتفي بإدارة اللقاءات، وإعدادها، بل تراها تعدّ دراساتٍ وأوراقاً تحضيريةً رصينةً تؤسس لعملية الحوار على قاعدةٍ علميةٍ مدروسة، وأملي بعد النهاية أن تتولى هي بذات الهمة ترجمة التوجيهات، التي سيفرضها الحوار الوطني، إلى خططٍ قابلةٍ للتنفيذ.
نعم، حضرتُ بعض تلك اللقاءات، وتابعتُ بعضها الآخر مع أطرافٍ شاركت فيها. والخلاصة حتى الآن واضحة: حرص الجميع على تجنّب أيّ اشتراطات مسبقة تعرقل عملية الحوار أو تؤخرها.
وفي تقديري، سيكون مؤتمر الحوار السودانيّ السودانيّ المزمع انعقاده قريباً داخل البلاد الخطوة الأولى في مسيرةٍ تقود السودانيين إلى حياة دستورية وبناء سودانٍ ديمقراطيٍّ جديد. ولن أكشف سراً إذا قلت إن الإعلان عن الانطلاقة الفعلية لمراحل الحوار قريبٌ جداً، بمجرد اكتمال الترتيبات الفنية الجارية. وبدعم إقليمي، لهذا الخيار الوطني، من دول الجوار.
السودانيون بحاجة ملحّة إلى طاولة حوارٍ صريحٍ مفتوحٍ تجمعهم داخل بلادهم. طاولةٍ تنهي حالة التشتت بين العواصم الخارجية، وتوقف سيل المبادرات والمنابر المتعددة، وتضع حداً للوصاية والإملاءات الخارجية، وتعالج الاستقطاب السياسيّ الحادّ، وتعزز القواسم المشتركة، وتؤكد قدرة أهل السودان على حلّ مشاكلهم بأنفسهم وبإرادةٍ وطنيةٍ حرة.
وما أسعدني شيء مثل ما أسعدتني، أسماء تناولتها الأنباء بأنها ستشارك فيه، وبعض الأصدقاء من الأحزاب الوطنية، أرسلوا لي، أنهم بصدد ذلك، تتقدمهم قيادات وطنية من كل تيارات الأحزاب السياسية الوطنية ، ناهيك عن مناصري القوات المسلحة وداعمي الحكومة الراهنة، فهو لن يكون حوار صوت واحد، وبحول الله، لن يكون حوار طرشان.
وإذا كانت هذه النيات، فمرحباً بالحوار الوطنيّ: داخل الوطن، بين أبناء الوطن، من أجل التوافق الوطنيّ وتعزيز الاستقرار وحلّ الأزمات عبر التفاهم السلميّ بين كافة الأطراف. وضماناً لنجاحه، ندعو جميع الأطراف السودانية إلى تغليب المصلحة الوطنية العليا ووضعها فوق أيّ مصلحةٍ حزبيةٍ أو فئويةٍ أو شخصيةٍ ضيقة.
الطريق أمام هذا الحوار واحد: النجاح. فالسودان لم يعد يحتمل غيره.٠٠٠











إرسال تعليق