قهوتي|| شذى عبد الله طه
لا أعرف لماذا اعتدنا أن نحكم على الناس من آخر ما نراه في أيديهم، ولا نتعب أنفسنا في السؤال عمّا بقي في قلوبهم. فإذا خسر أحدهم تجارة قلنا إنه خاسر، وإذا انتهت علاقة في حياته أشفقنا عليه، وإذا تأخر عن غيره في الرزق أو المنصب أو الشهرة ظننا أن الدنيا لم تنصفه. لكن الحياة لا تكشف أوراقها كلها في المشهد الأول، وما يبدو خسارة اليوم قد يكون أول الطريق إلى نجاة لا يدركها إلا صاحبها بعد زمن.
قبل سنوات، سمعت رجلًا مسنًا يتحدث عن أحد معارفه، فقال جملة توقفت عندها طويلًا: “لقد أخذت الدنيا منه الكثير… غير أن الله لم يكِلْهُ إلى نفسه.” لم يكن يقصد المال، ولا الصحة، ولا الأولاد، بل كان يقصد شيئًا أدق من ذلك كله. كان يقصد أن الرجل خرج من محنه كما دخلها؛ لم يتعلم الغدر ممن غدروا به، ولم يجعل الخيبة مبررًا ليقسو على الناس، ولم يحاول أن يسترد ما فقده بطرق لا تشبهه.
ومنذ ذلك اليوم، كلما رأيت إنسانًا حافظ على طيبته رغم ما مرّ به، تذكرت تلك العبارة.
ليست الطيبة أن تجهل الناس، ولا أن تفتح قلبك لكل عابر، ولا أن ترضى بالظلم. الطيبة الحقيقية أن تعرف وجوه الحياة كما هي، ثم تختار ألا تصبح نسخة منها. أن تستطيع الإساءة ثم تمسك يدك عنها، وأن يكون في مقدورك أن ترد القسوة بقسوة مثلها، لكنك تنصرف لأنك لا تريد أن تخسر نفسك في الطريق.
ولذلك، فإن الطيب يدفع أحيانًا أثمانًا لا يدفعها غيره. ليس لأنه أقل ذكاءً، بل لأنه كلما خُيّر بين أن ينتصر لنفسه أو ينتصر لمبادئه، اختار الثانية، حتى وإن خرج من الموقف وفي يده أقل مما دخل به.
وقد يراه الناس ساذجًا، لأن الدنيا تعودت أن تصفق لمن يسبق غيره، لا لمن يحافظ على ضميره. لكن الأيام، وهي المعلم الذي لا يجامل أحدًا، تكشف مع الوقت أن بعض المكاسب كانت عبئًا، وأن بعض الخسائر كانت رحمة في ثوب لم نفهمه.
كم من إنسان ظن أنه تأخر، ثم اكتشف أنه حُفظ. وكم من باب أُغلق فظل صاحبه يلوم حظه، حتى أدرك أن الله لم يمنعه عنه بخلًا، وإنما صانه به. ليست كل عناية تأتي على هيئة عطية، وأحيانًا يكون المنع أحنّ من العطاء، ويكون التأخير أوسع رحمة من التعجيل.
لهذا لا أتعجل الشفقة على الطيبين. فقد رأيت في الحياة من خسروا أشياء كثيرة، لكنهم احتفظوا بوجوه هادئة، وكلمات لا تؤذي، وأيدٍ تمتد بالعون حتى لمن قصر في حقهم. ولم أفهم سر ذلك إلا حين أدركـت أن الله إذا تولى عبدًا، لم يكن أول ما يحفظه ماله، بل قلبه.
فالمال إذا ضاع قد يعود، والفرصة إذا فاتت قد تأتي غيرها، أما القلب إذا امتلأ بالمرارة، فذلك هو الفقد الذي لا يلتفت إليه الناس.
ربما لهذا لا يخلو وجه الطيب، مهما أثقلته الأيام، من أثر طمأنينة يصعب تفسيرها. ليست لأنه لم يتألم، بل لأنه لم يحمل ألمه إلى الآخرين. تركه بينه وبين ربه، ومضى.
ولعل هذه هي النجاة التي لا تُرى.
أن يخرج الإنسان من امتحاناته وقد أخذت منه الأيام أشياء كثيرة، لكنها عجزت أن تنتزع منه رحمته، أو حياءه، أو صدقه، أو حسن ظنه بالله.
هذه خسارة لا يلتفت إليها ميزان الأرض، لكنها في ميزان السماء هي الربح كله.
قهوتي أحب شربها باردة











إرسال تعليق