الزراعة… قاطرة الاقتصاد السوداني:
بقلم: م.م. الإمام عبداللطيف الإمام
*﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ (63–64) الواقعة*.
تُجسِّد هذه الآية الكريمة حقيقةً عظيمة؛ فالإنسان يحرث ويبذر ويأخذ بالأسباب، أما الإنبات والبركة فمن عند الله سبحانه وتعالى. ومن هذا المعنى تبدأ قصة الزراعة، فهي ليست مجرد مهنة، بل رسالة إعمار، وأساس الحضارة، وأحد أهم أسباب قوة الأمم. واليوم، يقف السودان أمام فرصة تاريخية ليجعل من الزراعة نقطة الإنطلاق نحو التعافي الإقتصادي وإعادة بناء الدولة.
لقد خلَّفت الحرب آثارًا قاسية على الإقتصاد الوطني، فتراجعت معدلات الإنتاج، وازدادت البطالة، وإنخفضت الصادرات، وأرتفعت معدلات الفقر. لكن، ورغم حجم الدمار، لا تزال أعظم ثروة في السودان باقية؛ أرضٌ واسعة خصبة، وموارد مائية غنية، ومناخ متنوع، وخبرات زراعية متراكمة، وشعب عرف الزراعة منذ آلاف السنين. وهذه المقومات تجعل من الزراعة القطاع الأكثر قدرة على قيادة مرحلة التعافي.
إن الدول تُبنى بالإنتاج، ولا يتحقق الإستقرار الإقتصادي بالإعتماد على المساعدات، بل بإستثمار الموارد الوطنية. والسودان من أكثر دول العالم امتلاكًا لعناصر النهضة الزراعية؛ إذ يضم *أكثر من مائتي مليون فدان صالحة للزراعة، وموارد مائية تشمل نهر النيل وروافده، والأمطار الموسمية، والمياه الجوفية، إلى جانب تنوع بيئي يسمح بإنتاج المحاصيل الاستراتيجية والنقدية والبستانية على مدار العام*.
ومع ذلك، لم تتحول هذه الإمكانات إلى قوة إقتصادية حقيقية، ليس بسبب نقص الموارد، وإنما *بسبب ضعف الإدارة، وعدم إستقرار السياسات، وتدهور البنية التحتية، وضعف التمويل الزراعي، وتراجع البحث العلمي والإرشاد الزراعي، وغياب الرؤية الاستراتيجية التي تجعل الزراعة محورًا للتنمية الوطنية*.
إن المرحلة القادمة تتطلب إعادة الإعتبار للزراعة بإعتبارها مشروعًا وطنيًا، لا نشاطًا موسميًا. فالأمن الغذائي، والإستقرار الإقتصادي، وتوفير فرص العمل، وزيادة الصادرات، وتحقيق التنمية الريفية، كلها أهداف تبدأ من الحقل.
ولتحقيق ذلك، لا بد من الإنتقال من الزراعة التقليدية إلى الزراعة الحديثة، القائمة على الميكنة، والتقاوي المحسنة، والري الحديث، والرقمنة، والإستشعار عن بُعد، بما يسهم في رفع الإنتاجية، وترشيد إستخدام المياه، وخفض تكلفة الإنتاج.
كما ينبغي أن يحظى تأهيل المشاريع الزراعية القومية بالأولوية، وفي مقدمتها *مشروع الجزيرة، والرهد، وحلفا الجديدة، والسوكي*، وغيرها من المشاريع التي كانت تمثل لعقود طويلة العمود الفقري للاقتصاد السوداني. فهذه المشاريع تمتلك البنية الأساسية والخبرة التراكمية، وتحتاج إلى إدارة كفؤة، وتمويل مستدام، وصيانة مستمرة، أكثر من حاجتها إلى إنشاءات جديدة.
وفي الوقت نفسه، يجب الإهتمام *بالزراعة المطرية في ولايات كردفان ودارفور والقضارف وسنار والنيل الأزرق وغيرها*، من خلال حصاد المياه، وتحسين البذور، وتوفير خدمات الإرشاد الزراعي، وتأمين التمويل، بما يزيد الإنتاج ويحافظ على الموارد الطبيعية ويحقق التنمية المتوازنة.
غير أن النهضة الزراعية لا تكتمل بمجرد زيادة الإنتاج، بل بإقامة الصناعات الزراعية التحويلية التي تضيف قيمة للمنتجات. فمن غير المنطقي أن نصدر القطن خامًا ثم نستورد المنسوجات، أو نصدر السمسم والفول السوداني والصمغ العربي دون تصنيع. إن القيمة المضافة هي التي تخلق الثروة، وتوفر فرص العمل، وتعزز القدرة التنافسية للمنتج السوداني في الأسواق العالمية.
كما أن نجاح الزراعة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتطوير البنية التحتية، من طرق وسكك حديدية ونقل نهري وموانئ ومخازن حديثة وسلاسل تبريد وأسواق منظمة، لأن تكلفة النقل والتخزين أصبحت جزءًا من القدرة التنافسية لأي منتج في الأسواق المحلية والعالمية.
ولا يقل أهمية عن ذلك تعزيز التكامل بين الزراعة والثروة الحيوانية، والاستفادة من المخلفات الزراعية في إنتاج الأعلاف والطاقة، بما يحقق الاستخدام الأمثل للموارد، ويرفع الإنتاجية، ويزيد مساهمة الريف في الناتج القومي.
كذلك، فإن توفير بيئة إستثمارية مستقرة، تقوم على سيادة القانون، ووضوح السياسات، وتبسيط الإجراءات، وإتاحة التمويل، وتشجيع القطاع الخاص، مع حماية حقوق المزارعين والمستثمرين، يمثل شرطًا أساسيًا لنجاح أي نهضة زراعية.
ويعيش العالم اليوم تحديات متزايدة في الأمن الغذائي، بينما يمتلك السودان من الموارد الطبيعية ما يؤهله ليكون أحد أهم المنتجين والمصدرين للغذاء في إفريقيا والعالم العربي. وهذه فرصة إستراتيجية يجب أستثمارها بعقلية الدولة التي تخطط لعقود، لا بعقلية المواسم التي تفكر في عام واحد.
*إن إعادة بناء السودان لن تبدأ من الذهب ولا من النفط، مهما بلغت أهميتهما، وإنما ستبدأ من الأرض التي لا تخون أصحابها إذا أحسنوا أستثمارها. فالزراعة هي القطاع الأسرع قدرة على تحريك الإقتصاد، وتوفير فرص العمل، وزيادة الصادرات، وتحقيق الأمن الغذائي، وإستعادة ثقة المواطن في مستقبل وطنه. وكل فدان يُزرع، وكل مشروع يُؤهَّل، وكل مزارع يجد الدعم والعلم والتمويل، هو خطوة حقيقية نحو سودان قوي، منتج، مزدهر، يستعيد مكانته الطبيعية بين الأمم، ويجعل من الزراعة بحق قاطرة الاقتصاد السودان*
*﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (105) التوبة*











إرسال تعليق