جدلية العلاقة بين النصر العسكري و السياسة

  • بتاريخ : 27 يوليو، 2026 - 12:24 م
  • الزيارات : 13
  •  

    بقلم / زين العابدين صالح عبد الرحمن

    عندما بدأت الحرب يوم 15 إبريل 2023م، صمتت القوى السياسية تماما، أول تعليق لقائد الميليشيا كان يطالب رئيس مجلس السيادة و القائد العام للجيش تسليم أنفسهم أو سوف يتم اقتحام القيادة للقبض عليه و رفاقه في قيادة الجيش.. فشل انقلاب الميليشيا تغيرت الأجندة و غاب قائد الميليشيا عن أجهزة الإعلام، و جاءت أجندة جديدة إزالة دولة 56، و كان ميدان القتال هو الذي يغير الأجندة مع كل مرحلة تتقدم فيها الميلشيا، أو يتقدم فيها الجيش..

    و عندما فشل الانقلاب و خرج قائد الجيش من القيادة.. و كانت القوى السياسية الداعمة للميليشيا في الخارج تتنقل بين العواصم المتأمرة على السودان، و بهدف إيجاد دعم قوى خارجي يسند الميليشيا، و كان اجتماع الإيقاد في أديس أبابا الذي قرر فيه كل من الرئيس الكيني و ليام روتو و رئيس وزراء اثيوبيا دعوة قوات شرق أفريقيا ” إيساف ESAF ” بهدف جعل الخرطوم منزوعة السلاح، حماية للميليشيا التي كانت تنتشر قواتها في الخرطوم، و كلما تمددت الميليشيا كانت تكثر حركة النفوذ الخارجي، و كانت مجموعة “تقدم” تسعى لتدخل خارجي وفق البند السابع و تعددت اللقاءات في العواصم باعتبار أن التغييرات في الميدان سوف يتسبب في تغير الأجندة.. و عندما سيطرت الميليشيا على ولايات الجزيرة و سنار و جزءا كبيرا من النيل الأبيض، كان الضغط يتزايد على قيادة البلاد لكي تقبل التفاوض، في ذلك القوت كانت القوى الخارجية تريد أن تبعد الجيش و تحله، و تعطي السيطرة للميليشيا وزراعها السياسي ” تقدم” و لكن تغيرت المعادلة السياسية تماما..

    تغير المعادلة السياسية عندما سيطر الجيش على العاصمة، و كل من ولايات الجزيرة و سنار و النيل الأبيض.. أكتشفت مجموعة ” تقدم” إن هزيمة الميليشيا أو استسلامها سوف يحدث تغييرا كبيرا في الأجندة السياسية… كانت الخطة التي رسمتها لها القوى الخارجية أن يكون الضغط على قيادة الجيش من خلال ثلاث مسارات.. الأول أن تنقسم تكتيكيا مجموعة ” تقدم” إلي مجموعتين؛ الأولى مجموعة تأسيس و هي التي أوكل لها أن تكون حكومة في أقليم دارفور بهدف نزع الشرعية من القيادة في السودان، و تعمل الإمارات بملها نفوذا ماليا يؤثر على العديد من عواصم الغرب و عدد من دول أفريقيا أن تعترف بهذه الحكومة.. لكن الاجتماع الذي كانت مصر قد دعت إليه دول الجوار ي القاهرة، و انتزعت منهم الاعتراف بسيادة البلاد و شرعية السلطة، كان له أثرا كبيرا، حيث اخذت به كل من روسيا و الصين في مجلس الأمن، و موقفهم الداعم كان عقبة كبيرة لتحركات الإمارات مع مجموعة صمود.. المجموعة الثانية ” صمود” و هي التي يجب أن تتحرك سياسيا في عدد من عواصم الغرب بمساعدة وزارة الخارجية و إدارة المخابرات في الإمارات.. و لكنها أيضا فشلت رغم كل اللقاءات السياسية في مصر و باريس و جنيف و المانيا و بريطانيا و الاتحاد الأفريقي و عدد من العواصم الأفريقي.. الثالثة تحرك الإمارات في الضغط على أمريكا لكي تمارس ضغطا على قيادة السودان لكي تجلس للتفاوض، أو توافق على هدنة لكي تخرج الميليشيا من حالة الحصار التي هي فيه.. لذلك جعلت الميليشيا و صمود أن يروجوا فكرة أن الجيش استخدم اسلحة كيمائية بهدف الضغط على القيادة لتقبل مشروع الإمارات الذي قدمه مسعد بولس..

    إن قيادة الجيش كانت تحدث تغيرات في الأجندة، و تصبح مادة في الساحة السياسية و الإعلامية، و ليس بتقديم أفكار معلقة في الهواء تحتاج للتنزيل على الأرض، و أن تجد لها سندا اجتماعيا، و لكنها كانت تعلم إن أية تغير يحدث في ميدان القتال، بالضرورة سوف ينعكس على الوضع السياسي، و تبرز أجندة جديدة من المفترض أن يتم التعاطي معها في سياق جديد.. حدث ذلك عندما دعت القوى السياسية أن تقدم لها مشروعا سياسيا لحكم المدنيين، و رفعته لكل من الاتحاد الأفريقي و الجمعية العامة للأمم المتحدة و مجلس الأمن، و بموجبه تم اختيار رئيسا للوزراء، و ذهب مخاطبا الجمعية العامة للامم المتحدة.. غض النظر عن الموقف من رئيس الوزراء و شرعية الاختيار، لكن الفعل نفسه خلق أجندة جديدة.. و بفعل حركة القيادة في السودان اتخذ روسيا موقفا مؤيدا لها، عندما استخدمت الفيتو معترضة على تجاوز السلطة الموجود الآن في السودان.. بهذا الموقف تكسرت كل سهام الغدر داخل مجلس الأمن..

    هذه السردية التاريخية لمجريات الأحداث في السودان في ظل الحرب و تدبير المؤامرات، كنت قد أشرت في العديد من المقالات التي كتبتها منذ إندلااع الحرب حتى الآن، إن القوى التي تصنع الأحداث في البلاد منذ الحرب حتى الآن.. هي التي سوف تحدد أجندة مستقبل العمل السياسي.. و هي التي تستطيع أن تجعل هناك سودان برؤى جديدة تقوده إلي السلام و الاستقرار السياسي و الأمني، و تجعله على عتبات النهضة الاقتصادية و البشرية و تحسين الخدمات، و الرفاهية.. أو أن تجعله في ذات سلسلة النزاعات و الحرب و عدم الاستقرار..

    إن انتصارات الجيش و كل القوى التي تقاتل تحت رايته، هي انتصار بهدف خلق أجندة سياسية جديدة لكي تسير العملية العسكرية و السياسية وفقا لسياق واحد يخرج السودان من الحرب و أزماته.. خاصة إن الحرب رغم ألامها و مأسيها و التدمير الذي أحدثته في البلاد و المواطنين، أيضا كشفت أبعاد المؤامرة على البلاد من دول الجوار و من النفوذ الخارجي، و أيضا من أبناء الوطن، و أكدت أن القوى السياسية التي قد راكمت موروثا كبيرا من الفشل غير مؤهلة أن تقود البلاد إلي بر الأمان.. إن البلاد في حاجة إلي قيادات جديدة تنبع من الشباب الذين لم يتأثروا سلبا بهذا الفشل، و عندهم أراء و أفكار جديدة من أجل التغيير و النهضة.. شباب يحترموا أراء بعضهم البعض و يعتقدوا أن رؤية الأخر مكملة لرؤيته، الأمر الذي يفتح أبواب للحوار ليس بهدف السعي الشخصي للمكاسب الشخصية، إنما السعي من أجل تأمين الوطن من المؤامرات و تأمين حياة كريمة للشعب.. يسود فيها الاستقرار السياسي و الاجتماعي و الأمن.. و هذه لن تكون إلا إذا أصبح هؤلاء الشباب فاعلين بجد في تغيير ثقافة الفشل و ثقافة النعرات العشائرية و القبلية و المناطقية.. و العمل على نسج ثوبا جديدا للسلام الاجتماعي.. أن المشوار طويل لكنه اقل كلفة من الحرب و النزاعات.. نسأل الله حسن البصيرة..