هل تكون العدالة الانتقالية طريقًا للمحاسبة أم بوابة للإقصاء السياسي؟

  • بتاريخ : 26 يوليو، 2026 - 12:53 م
  • الزيارات : 2
  • بقلم/ الطيب مضوي شيقوق – المحامي

    إقصاء حزب بعينه من الفترة الانتقالية

    هل تكون العدالة الانتقالية طريقًا للمحاسبة أم بوابة للإقصاء السياسي؟

    في كل مرحلة انتقالية تخرج إلى السطح أسئلة مؤجلة، وتعود إلى الواجهة قضايا ظلت موضع خلاف وانقسام. ومن أكثر هذه القضايا حساسية: هل يجوز إقصاء حزب سياسي بعينه من المشاركة في الفترة الانتقالية؟

    وفي الحالة السودانية، يكتسب السؤال أهمية استثنائية، ليس فقط بسبب تاريخ الانقلابات والصراعات السياسية، وإنما بسبب الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت خلال عقود من الحكم، ثم خلال مراحل الثورة والحرب والانهيار السياسي.

    ولذلك فإن النقاش حول إقصاء حزب معين لا ينبغي أن يُدار بمنطق الخصومة السياسية وحدها، وإنما ينبغي أن يخضع لميزان القانون والعدالة والضرورات السياسية.

    الإقصاء ليس هو المحاسبة
    ينبغي أولًا التمييز بين مفهومين كثيرًا ما يجري الخلط بينهما:

    المحاسبة القانونية، والإقصاء السياسي الجماعي.

    فالمحاسبة تعني أن كل من ارتكب جريمة، أو ساهم في ارتكابها، أو أمر بها، أو حرّض عليها، أو تستر عليها، يجب أن يخضع للتحقيق والمحاكمة وفق القانون.
    أما الإقصاء السياسي الجماعي فيعني حرمان تنظيم بأكمله، أو كل أعضائه، من المشاركة السياسية لمجرد الانتماء إليه.
    والفرق بين الأمرين جوهري.
    فإذا ارتكب مسؤول أو قائد جريمة، فإن الأصل أن يحاسب على فعله هو. أما أن يتحول انتماؤه السياسي إلى سبب لمعاقبة آلاف أو ملايين الأشخاص الذين لم تثبت ضدهم أي جريمة، فذلك يتعارض مع أبسط قواعد المسؤولية الفردية.
    فالعدالة لا تقول: أنت مذنب لأنك تنتمي إلى هذا الحزب.
    وإنما تقول: أنت مسؤول لأنك ارتكبت هذا الفعل.

    هل الحزب مسؤول عن أفعال قياداته؟

    قد يكون الحزب السياسي مجرد إطار سياسي يضم أشخاصًا متعددين، وقد يكون في حالات أخرى تنظيمًا مركزيًا تُتخذ فيه القرارات بصورة جماعية.
    ولهذا فإن مسؤولية الحزب لا يمكن افتراضها بصورة مطلقة، وإنما يجب إثباتها.

    فإذا ثبت أن الجرائم ارتكبت وفق سياسة معلنة أو منظمة من الحزب، أو بأوامر مؤسساته، أو لحسابه، فقد تبرز مسؤولية تنظيمية تستوجب الإجراءات القانونية.

    أما إذا ارتكب أفراد من قيادته جرائم شخصية، فإن تحميل التنظيم بأكمله المسؤولية دون إثبات علاقة مباشرة بين الحزب والجريمة قد يؤدي إلى إهدار مبدأ أساسي هو شخصية المسؤولية والعقوبة.
    وهنا يجب أن نكون حذرين؛ لأن إسقاط المسؤولية الفردية واستبدالها بالمسؤولية الجماعية قد يقود إلى عدالة انتقامية لا إلى عدالة انتقالية.

    الضرورة السياسية لا تكفي وحدها

    قد يقول قائل إن الفترة الانتقالية مرحلة استثنائية، وإن استقرار الدولة يقتضي استبعاد بعض القوى السياسية. وهذا القول قد يكون له وجاهته السياسية في بعض الظروف، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو:

    من يحدد هذه الضرورة؟ وبأي معيار؟ ومن يملك سلطة الإقصاء؟

    فإذا كان كل طرف سياسي يستطيع أن يصف خصمه بأنه خطر على الانتقال، ثم يقرر إقصاءه، فإننا نكون أمام دائرة لا تنتهي من الإقصاء المتبادل.

    وقد يبدأ الأمر بإقصاء حزب بعينه، ثم يمتد إلى تيار سياسي، ثم إلى جماعة فكرية، ثم إلى كل من يختلف مع السلطة القائمة.
    وهنا يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وتتحول الفترة الانتقالية من جسر إلى الديمقراطية إلى نظام جديد للإقصاء.

    الفرق بين عدم المشاركة في الحكومة والحظر السياسي

    من المهم التمييز بين عدم إشراك حزب في حكومة انتقالية، وبين حظر الحزب ومنعه من العمل السياسي.
    فقد تتفق القوى السياسية على تشكيل حكومة انتقالية من أطراف محددة، وفق برنامج وأهداف معينة، وهذا أمر يمكن أن يكون جزءًا من تسوية سياسية. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الحزب غير المشارك قد فقد حقه في الوجود السياسي أو أن أعضاءه فقدوا حقوقهم المدنية.

    أما الحظر أو الحل أو الحرمان العام من النشاط السياسي، فهو إجراء مختلف تمامًا، ويحتاج إلى سند دستوري وقانوني واضح، وإلى جهة مختصة، وإلى ضمانات إجرائية تكفل حق الدفاع والطعن. ولا يجوز أن يتحول الاتفاق السياسي إلى بديل عن القانون.

    التجربة السودانية ودرس التاريخ

    لقد عانى السودان طويلًا من سياسة الإقصاء. فكل نظام سياسي كان يأتي محمّلًا بفكرة أن خصومه هم أصل الأزمة، وأن استقرار البلاد لا يتحقق إلا بإبعادهم. لكن النتيجة كانت غالبًا أن الإقصاء لم ينهِ الصراع، بل نقله إلى مرحلة أخرى.
    فالتيار الذي يُمنع من العمل العلني قد يعود في شكل سري، والذي يُستبعد من مؤسسات الدولة قد يتحول إلى معارضة أكثر تشددًا، والذي يشعر بأن الطريق السياسي مغلق أمامه قد يبحث عن وسائل أخرى للتأثير.

    وهذا لا يعني التساهل مع العنف أو الجرائم، بل يعني أن العدالة والقانون أكثر قدرة على مواجهة الجريمة من الإقصاء السياسي العام.

    لا مصالحة بلا عدالة، ولا عدالة بلا قانون

    إن السودان يحتاج إلى عدالة انتقالية حقيقية، لا إلى مصالحة شكلية تقوم على دفن الجرائم، ولا إلى انتقام جماعي يقوم على معاقبة الناس بسبب انتماءاتهم.
    فلا يمكن أن تكون هناك مصالحة مع من ارتكب جرائم قتل أو تعذيب أو اغتصاب أو نهب أو تهجير قسري دون محاسبة.

    وفي الوقت نفسه، لا يجوز أن يتحول الانتماء إلى حزب سياسي إلى جريمة قائمة بذاتها.

    والقاعدة التي ينبغي أن تحكم المرحلة هي:

    لا حصانة لمجرم بسبب انتمائه السياسي، ولا عقوبة لمواطن بسبب انتمائه السياسي وحده.

    وهذه القاعدة هي الفاصل بين دولة القانون ودولة الانتقام.

    هل يجوز إقصاء حزب معين؟

    الإجابة القانونية والسياسية المنضبطة هي:
    يجوز استبعاد حزب أو تنظيم من المشاركة في ترتيبات انتقالية محددة إذا استند ذلك إلى معيار قانوني واضح ومشروع، وكان الإجراء ضروريًا ومتناسبًا، ولم يكن مجرد تصفية سياسية.
    أما إقصاء حزب بأكمله بصورة دائمة أو حرمان جميع أعضائه من حقوقهم السياسية لمجرد الانتماء إليه، فلا يمكن تبريره إلا وفق شروط قانونية ودستورية صارمة، وبعد إثبات مسؤولية تنظيمية حقيقية، وبإجراءات تكفل العدالة.

    أما مجرد القول إن هذا الحزب يمثل النظام السابق، أو أن بعض قياداته ارتكبوا جرائم، فلا يكفي وحده لإدانة كل أعضائه.

    فالحزب ليس كتلة واحدة بالضرورة، وأعضاؤه ليسوا جميعًا شركاء في كل فعل ارتكبته قياداته.

    الخطر الأكبر: أن يصبح الإقصاء سابقة

    إن أخطر ما في الإقصاء السياسي ليس فقط أنه يحرم طرفًا من المشاركة، وإنما أنه ينشئ سابقة سياسية.
    فمن يقرر اليوم أن من حقه إقصاء خصمه، قد يجد نفسه غدًا خصمًا في مواجهة سلطة جديدة تمتلك المنطق ذاته.

    وبذلك يصبح السؤال:
    من يملك القوة؟
    بدلًا من أن يكون:
    من يملك الحق؟

    وهنا تفقد الدولة معناها، وتتحول السياسة إلى صراع دائم بين منتصر مؤقت ومقصي مؤقت.

    الخاتمة

    إن السودان لا يحتاج إلى إعادة إنتاج الماضي بوجوه جديدة. ولا يحتاج إلى أن يستبدل إقصاءً بإقصاء، أو استبدادًا باستبداد، أو احتكارًا سياسيًا باحتكار سياسي آخر.

    إن المرحلة الانتقالية ينبغي أن تكون مرحلة تأسيس لقواعد جديدة، أهمها أن الجريمة تُحاسب، والفساد يُلاحق، والحقوق تُصان، والاختلاف السياسي لا يتحول إلى جريمة.

    فإذا كان هناك حزب متهم بجرائم، فليقدم المتهمون منه إلى العدالة. وإذا ثبت أن تنظيمًا بكامله ارتكب جرائم أو عمل على تقويض النظام الدستوري، فليُحاسب وفق القانون. أما أن يُقال إن كل من انتمى إلى حزب معين مجرم، أو أن كل من صوّت له شريك في جرائم قياداته، فذلك ليس بعدالة، وإنما مسؤولية جماعية مقنّعة.

    والسودان، بعد كل ما مر به، يحتاج إلى عدالة لا تنتقم، ومصالحة لا تنسى،وديمقراطية لا تقصي، وقانون لا يخضع للأغلبية ولا للأقلية ولا للقوة.

    فالمبدأ الذي يجب أن يحكم المستقبل هو:
    نحاسب الأشخاص على أفعالهم، ونحاسب التنظيمات على ما يثبت قانونًا أنها ارتكبته، ولا نعاقب شعبًا كاملًا على اختياراته السياسية. لأن الدولة التي تبدأ بإقصاء خصومها باسم حماية الديمقراطية، قد تنتهي بإقصاء الديمقراطية نفسها باسم حماية الدولة.