التجربة المصرفية الاسلامية بالسودان: هل أخطأت البدايات أم تعثرت فى التطوير؟

  • بتاريخ : 16 يوليو، 2026 - 3:56 م
  • الزيارات : 102
  • بقلم/ بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم

    ملخص: اقر بصحة الوقائع التاريخية، مع التأكيد أن نجاح التجربة لا يتوقف على ظروف التأسيس فحسب، بل على القدرة المؤسسية على التعلم والتطوير والاستفادة من المعايير الدولية التي ظهرت لاحقا).

    أشكر للأخ الأستاذ عمر سيد أحمد تعقيبه الثانى على مداخلتي له، والذي ركز فيه على البعد التاريخي لتجربة الصيرفة الإسلامية في السودان. وقد أكد، وهو محق في ذلك، أن السودان بدأ تطبيق الصيرفة الإسلامية خلال عامي 1983–1984، قبل ظهور المرجعيات الدولية المنظمة للصناعة. وأوضح أن معايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (AAOIFI) لم تصدر إلا بعد عام 1993، بينما بدأ مجلس الخدمات المالية الإسلامية (IFSB) عمله في عام 2003، ومن ثم يرى أن القرارات التأسيسية للتجربة السودانية اتخذت في غياب معايير دولية يمكن الاستناد إليها.

    ولا شك أن هذه الجزئية تمثل أقوى ما أورده الأستاذ عمر من الناحية التاريخية، وهي حقيقة لا خلاف عليها. غير أنني أرى أن غياب المعايير الدولية المكتوبة لا يعني أن التجربة السودانية بدأت من فراغ معرفي او مهنى، على الرغم من فوقيه فرضها. فقد سبقتها تجارب مصرفية إسلامية، مثل بنك دبي الإسلامي (1975)، وبيت التمويل الكويتي (1977)، وبنك فيصل الإسلامي السوداني (1977)، و المصري (1979). كما كانت هناك اجتهادات فقهية واقتصادية، وكتابات علمية صدرت عن البنك الإسلامي للتنمية جده، ومجمع الفقه الإسلامي ، وندوات اقتصادية، أسهمت في توفير إطار فكري ومهني معقول لتطور الصناعة المصرفيه الاسلامية قبل ظهور المعايير المؤسسية.

    والأهم من ذلك أن تقييم التجربة السودانية لا ينبغي أن يقتصر على سنوات التأسيس (1983–1984)، وإنما يجب أن يمتد إلى مسيرتها التي تجاوزت أربعة عقود. فمنذ منتصف التسعينيات أصبحت معايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية متاحة، ثم تبعتها معايير مجلس الخدمات المالية الإسلامية، وكان أمام السودان متسع من الوقت للاستفادة من هذه التطورات، ومراجعة منتجاته وممارساته، وتحديث أطره الرقابية، وتعزيز إدارة المخاطر، والتوسع في صيغ التمويل التشاركي. ومن ثم، فإن استمرار أوجه القصور بعد ظهور هذه المرجعيات لا يمكن تفسيره فقط بأن التجربة سبقت صدور المعايير الدولية. وفي تقديري، فإن العامل الأكثر تأثيرا كان مدى قدرة المؤسسات السودانية على استيعاب تلك المعايير، وتوطينها، وتطبيقها بفاعلية. فالمشكلة لم تكن في غياب المرجعية الدولية بقدر ما كانت في ضعف آليات التعلم المؤسسي لاحقا، وبطء تحديث التشريعات، ومحدودية الابتكار. وبعبارة أخرى، فإن غياب المعايير الدولية قد يفسر جانبا من ظروف البداية البطيئة، لكنه لا يفسر وحده مسار التجربة بأكمله. فالتجارب الناجحة لا تقاس فقط بكيفية بدايتها، وإنما أيضا بقدرتها على التعلم والتكيف مع المستجدات والتجارب الجيده. ولو كان عامل التأسيس هو العامل الحاسم، لما شهدنا تطورا ملحوظا في كثير من الدول التي بدأت الصيرفة الإسلامية في ظروف متقاربة، ثم أعادت بناء منظومتها المؤسسية مع تطور الصناعة العالمية. لذلك، أميل إلى اعتبار أن العبرة ليست في أن السودان سبق المعايير الدولية، وإنما في أنه لم يستفد منها بالقدر الكافي بعد ظهورها. وهذا، في تقديري، هو السؤال الأكثر أهمية عند تقييم التجربة واستخلاص الدروس للمستقبل، لأنه يركز على القدرة المؤسسية على التطور أكثر من تركيزه على الظروف التاريخية للتأسيس.

    وقد وافقني الأستاذ عمر على أن الصناعة المصرفية الإسلامية عالميا لم تحقق الطموحات التي صاحبت نشأتها، وإن كان يرى أن التجربة السودانية جاءت أضعف من كثير من التجارب المقارنة من حيث التمويل التشاركي، والشمول المالي، وتنوع المنتجات. وبعد مراجعة هذه النقاط والرجوع إلى التجربة السودانية في ضوء التجارب اللاحقة، أجد أن هذا التقييم للاخ عمر يحمل قدرا كبيرا من الصحة والمعقوليه. ومع ذلك، ما زلت أرى أن الصناعة المصرفية الإسلامية عالميا، وبعد مرور ما يقارب نصف قرن على انطلاقتها، كان ينبغي أن تحقق مستوى أعلى بكثير من التطور والابتكار، وأن تقترب بدرجة أكبر من الأهداف التنموية والاجتماعية التي قامت من أجلها.

    وللتوفيق بين وجهتي النظر، يقترح الأستاذ عمر إطارا تفسيريا ثلاثي الأبعاد يضم: أولا، العامل العالمي المشترك المتمثل في محدودية تطور الصناعة المصرفية الإسلامية؛ وثانيا، العامل المؤسسي السوداني الداخلي، الذي يشمل ضعف إدارة المخاطر، وقصور الالتزام بمقاصد الشريعة، وضعف الابتكار؛ وثالثا، العامل الهيكلي الخاص بالسودان، والمتمثل في غياب المنافسة المحلية، باعتباره عاملا مضاعفا للإخفاقات وليس السبب الوحيد لها.

    ولا أجد ما يدعو للاعتراض على هذا الإطار بعد أن أصبح أكثر شمولا واتزانا، واصبح اطارا جيدا للعمل من داخله، إذ لم يعد يستبعد أيا من العوامل المؤثرة، بل ينظر إليها باعتبارها عوامل متداخلة ومتكاملة في تفسير نتائج التجربة.

    وأخيرا، أتفق مع الأستاذ عمر واسعد كثيرا في أن هذا الحوار بدا مختلفا ولكنه انتقل من مرحلة البحث عن المسؤولية عن الإخفاق إلى مرحلة أكثر أهمية، وهي البحث عن كيفية بناء آليات فعالة لتحويل المعايير والمقاصد إلى ممارسات مؤسسية قابلة للتنفيذ والقياس. وفي تقديري، فإن هذا هو المدخل الحقيقي لإصلاح الصيرفة الإسلامية، ليس في السودان فحسب، وإنما في جميع الدول التي تتطلع إلى بناء صناعة مصرفية إسلامية تحقق مقاصد الشريعة وتسهم بفاعلية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.