تعقيب على مقال محافظ بنك السودان الأسبق، البروفيسور بدر الدين

  • بتاريخ : 13 يوليو، 2026 - 4:52 م
  • الزيارات : 129
  • بين شرط المنافسة والتزام المقاصد
    تعقيب على تعليق معالي البروفيسور بدر الدين عبد الرحيم إبراهيم، محافظ بنك السودان الأسبق
    بقلم / عمر سيد أحمد

    “باحث في الاقتصاد السياسي السوداني وخبير مصرفي ومالي مستقل”

    شكر وتقدير
    يسعدني ويشرّفني أن يجد المقال الذي كتبته عن تجربة الصيرفة الإسلامية في السودان صدى نقدياً من معالي البروفيسور بدر الدين عبد الرحيم إبراهيم، محافظ بنك السودان الأسبق، وأحد أبرز من عايشوا هذه التجربة عن قرب وشاركوا في صياغة سياساتها النقدية والمصرفية على مدى عقود. فتعليقه ليس مجرد رأي عابر، بل شهادة خبير مارس الصيرفة المركزية من الداخل، وهذا وحده يستحق التقدير والانتباه الجاد لكل ملاحظة أثارها. وأغتنم هذه الفرصة لأشكره على وقته واهتمامه، وعلى الروح العلمية التي تناول بها الموضوع، اتفاقاً واختلافاً.
    أولاً: في نقاط الاتفاق
    يسرّني أن أرى توافقاً جوهرياً بيننا حول الوقائع الأساسية للتجربة: هيمنة صيغة المرابحة قصيرة الأجل على حساب صيغ المشاركة والمضاربة والإجارة والاستصناع، وضعف إدارة المخاطر، وتأثير البيئة المؤسسية وعدم الاستقرار الاقتصادي، وقصور الابتكار في تطوير أدوات تمويلية جديدة، وضعف وصول التمويل التشاركي إلى الشرائح المستهدفة بما يخدم التمكين الاقتصادي الحقيقي. هذا التوافق على مستوى التشخيص يمنح النقاش قاعدة صلبة ننطلق منها لمناقشة نقطة الاختلاف الجوهرية: تفسير الأسباب الجذرية لهذا الواقع.
    ثانياً: هل التفسيران متعارضان أم متكاملان؟
    يرى البروفيسور بدر الدين أن إرجاع الإخفاق أساساً إلى إلغاء المصرفية التقليدية وغياب المنافسة تفسير مهم لكنه غير كافٍ، وأن جوهر المشكلة يكمن في البيئة الاقتصادية والمؤسسية، وفي مدى التزام التجربة بمقاصدها الشرعية، وفي تطوير أدوات إدارة المخاطر والابتكار المستمر. وهذه ملاحظة دقيقة أتفهّمها تماماً، لكنني أرى أن العلاقة بين التفسيرين ليست علاقة تعارض بقدر ما هي علاقة تكامل بين مستويين مختلفين من التحليل.
    فحين تحدثت في مقالي عن غياب المنافسة، لم أقصد أن غياب البديل التقليدي هو السبب المباشر والوحيد لاختيار صيغة المرابحة على حساب المشاركة، بل قصدت أمراً أدق: أن غياب أي معيار مرجعي بديل حرم التجربة من آلية تصحيح ذاتي خارجية، وحرم المجتمع والباحثين والسلطة الرقابية نفسها من أداة موضوعية لقياس مدى نجاح المصارف الإسلامية في تحقيق مقاصدها. فحين يُفرض نموذج واحد بقرار سيادي، تصبح إخفاقاته أمراً واقعاً يصعب اختباره أو مقارنته بأداء بديل مواز، بصرف النظر عن أسباب هذه الإخفاقات الداخلية. وبعبارة أخرى: العوامل التي ذكرها البروفيسور (ضعف إدارة المخاطر، البيئة المؤسسية، الالتزام بالمقاصد، الابتكار) هي الأسباب المباشرة والفاعلة للإخفاق، بينما غياب المنافسة هو الذي سمح لهذه الأسباب بالاستمرار والتراكم دون تصحيح لأربعة عقود متواصلة.
    أما الملاحظة القيّمة التي طرحها البروفيسور حول أن بعض الدول ذات النظام المزدوج ما زالت تعتمد بصورة كبيرة على المرابحة هي بذاتها، فهي في تقديري لا تُضعف حجة المنافسة بل تعززها من زاوية مختلفة: فهي تؤكد أن هيمنة المرابحة ظاهرة بنيوية مرتبطة بمنطق إدارة المخاطر ومحدودية البنية المؤسسية الداعمة للتمويل التشاركي، وهو ما ذكرته صراحة في مقالي الأصلي كأسباب مستقلة لهيمنة المرابحة إلى جانب غياب المنافسة، لا بديلاً عنه. والفارق الجوهري أن الدول ذات النظام المزدوج، حتى مع استمرار المرابحة فيها، تملك سوقاً تنافسية تكشف نقاط ضعف كل نموذج وتضغط باستمرار نحو التحسين وابتكار المنتجات، وهو ما لم يتوفر للتجربة السودانية طوال عمرها.
    ثالثاً: معيار المقاصد – إضافة ضرورية أتفق معها
    أجد في الأسئلة التي طرحها البروفيسور إضافة نوعية حقيقية للنقاش، إذ تنقل معيار التقييم من مستوى الشكل المؤسسي (وجود منافسة أو غيابها) إلى مستوى أعمق يتعلق بالمضمون: هل التزمت المصارف الإسلامية بدوران رأس المال في الاقتصاد الحقيقي بدلاً من التحايل الشكلي على الربا؟ هل طورت أدوات إدارة المخاطر بما يتناسب مع طبيعة عقود المشاركة؟ هل رتّبت أولويات تمويلها وفق تراتبية المقاصد الشرعية من الضروريات إلى الحاجيات فالتحسينيات؟ هل واكبت التحولات العالمية في التمويل الريفي والتمويل المناخي والابتكار المالي الرقمي؟
    هذه الأسئلة، في تقديري، لا تنقض أطروحة المقال الأصلي بل تكملها وتعمّقها. فالمعيار التنموي الذي دعوت إليه في مقالي – القدرة على تحقيق التنمية وزيادة الإنتاج وخلق فرص العمل وتحسين توزيع الموارد – يتقاطع تماماً مع معيار الالتزام بالمقاصد الذي يطرحه البروفيسور، إذ كلاهما يرفض الاكتفاء بالمطابقة الشكلية للصيغ الفقهية معياراً للنجاح، ويطالب بأثر حقيقي ملموس في حياة الناس والاقتصاد.
    رابعاً: نحو قراءة تكاملية للإصلاح
    أتفق تماماً مع البروفيسور في أن إصلاح القطاع المصرفي السوداني لا يقتصر على إعادة النظر في هيكل النظام المصرفي وحده، بل يتطلب مساراً متعدد الأبعاد في آنٍ واحد:
    تطوير البيئة التشريعية والمؤسسية الداعمة للتمويل التشاركي، بما في ذلك أطر تقييم المشروعات والإفصاح المالي وفض المنازعات.
    تعزيز قدرات إدارة المخاطر داخل المؤسسات المالية الإسلامية نفسها، بما يتيح التوسع الآمن في صيغ المشاركة والمضاربة.
    ربط التمويل بالإنتاج الحقيقي، ومراعاة تراتبية المقاصد الشرعية في توجيه التمويل نحو الضروريات قبل الكماليات.
    مواكبة التحولات العالمية في التمويل الريفي والمناخي والرقمي، بما يعيد للتجربة موقعها الريادي الذي عُرفت به المدرسة المصرفية السودانية يوماً.
    وإلى جانب ذلك كله، إعادة بناء بيئة تنافسية حقيقية – سواء عبر نظام النافذتين أو غيره من الصيغ – بوصفها الآلية التي تسمح باختبار هذه الإصلاحات جميعاً وقياس أثرها الفعلي بمعيار موضوعي، لا افتراضي.
    فالإصلاح المؤسسي والرقابي والفني الذي يدعو إليه البروفيسور شرط ضروري لنجاح أي نموذج مصرفي، إسلامياً كان أم تقليدياً؛ لكنه، في غياب آلية تنافسية تختبر نتائجه وتصححها باستمرار، يظل عرضة لأن يتكرر مصير التجربة الأولى: نوايا صادقة وأدوات فنية متطورة، لكن بلا معيار مرجعي مستقل يكشف متى تنحرف الممارسة عن المقصد.
    خاتمة
    أكرر شكري لمعالي البروفيسور بدر الدين عبد الرحيم إبراهيم على إثرائه هذا النقاش بخبرته العميقة ورؤيته الثاقبة، وآمل أن يستمر هذا الحوار الفكري المسؤول حول مستقبل القطاع المصرفي السوداني، فالاختلاف في تفسير الأسباب لا يُفسد للود قضية حين يكون الهدف المشترك واحداً: صيرفة إسلامية سودانية تستعيد ريادتها التاريخية بأثر تنموي حقيقي يليق بتضحيات هذا الشعب وتطلعاته.