د. رناد أبو كشوة تكتب: ما بين الزراعة وطب الأسنان

  • بتاريخ : 12 يوليو، 2026 - 9:12 ص
  • الزيارات : 26
  • بقلم/د. رناد أبو كشوة

    “طبيبة أسنان- مدير مركز ابو كشوة لتطوير الزراعة”

    بطبعي أنا أحب التأمل.
    أحب أن أقف بعيدًا قليلًا عن حياتي، كأنني لا أنتمي لها لحظة، ثم أراقبها من الخارج: لماذا حدث هذا؟ لماذا دخلت هذا الطريق؟ لماذا وُضعت هنا لا هناك؟ لماذا تعلّمت ما تعلّمت؟ ولماذا ظلّت بعض الأسئلة تمشي معي كأنها تعرف الإجابة قبلي؟

    كثيرًا ما سألت الله:
    يا رب، لماذا أدخلتني طب الأسنان؟
    لماذا علمتني الأسنان، التشريح، الألم، التحضير، الدقة، الصبر، والملليمترات الصغيرة، وأنت اخترت لي فيما يبدو قصة مختلفة تمامًا… قصة اسمها الزراعة؟

    كنت أظن أن الطريقين منفصلان:
    طب الأسنان في جهة، والزراعة في جهة أخرى.

    لكن عندما ابتعدت قليلًا، ونظرت إلى رناد من بعيد، رأيت شيئًا مختلفًا.

    رأيت أن طب الأسنان لم يكن طريقًا خارج القصة، بل كان تدريبًا خفيًا عليها.

    فالأسنان علمتني أن الألم لا يُعالج بالصراخ، بل بالفهم.
    أن المشكلة لا تُرى من سطحها فقط، بل من جذرها.
    أن الإصلاح يحتاج دقة وصبرًا ويدًا هادئة.
    أن الجزء الصغير قد يغيّر شكل الإنسان كله.
    وأن ما لا يُرى بوضوح من الخارج، قد يكون هو أصل الوجع في الداخل.

    ثم جاءت الزراعة، فوجدت نفس الدرس بصورة أخرى.

    البذرة مثل السن، صغيرة لكنها تحمل حياة كاملة.
    والتربة مثل الجسد، إذا أُهملت تعبت، وإذا فُهمت أنبتت.
    والمزارع مثل المريض، لا يحتاج من يبيعه حلًا فقط، بل يحتاج من يفهم وجعه، يشرح له، يطمئنه، ويمشي معه خطوة خطوة حتى يرى النتيجة.

    لذلك لم أستطع أن أختار في الزراعة أن أبيع فقط.

    كان ممكنًا أن تكون أبوكشوة مجرد تجارة بذور.
    نبيع، نستلم المال، نرسل الطلب، وننتهي.

    لكن قلبي لم يقبل ذلك.

    كان همّي الأكبر دائمًا:
    هل نجح المزارع؟
    هل فهم ما يزرع؟
    هل عرف كيف يتصرف؟
    هل وجد من يرد عليه عندما يخاف؟
    هل شعر أنه ليس وحده أمام الأرض والموسم والخسارة والانتظار؟

    من هنا بدأت قضيتي الحقيقية.

    أنا لا أبيع بذورًا فقط.
    أنا أحاول أن أبني وعيًا.
    أحاول أن أحوّل خوف المزارع إلى معرفة، وتجاربه المتعثرة إلى نظام، وألمه إلى منهج، وفوضى الموسم إلى خطوات واضحة يستطيع الرجوع إليها.

    أبني مناهج لأنني أؤمن أن المشكلة ليست في المزارع السوداني.
    المشكلة أنه تُرك طويلًا يجرب وحده.
    تُرك يزرع بالخوف، يخسر بالصمت، ويسأل بعد فوات الأوان.

    وأنا لا أريد له ذلك.

    أريد للمزارع أن يعرف.
    أن يفهم.
    أن يثق في نفسه.
    أن يشعر أنه مواطن درجة أولى.
    أن يعرف أن يده التي تزرع ليست يدًا عادية، بل يد تمسك حياة بلد كامل من جذورها.

    وحين أتأمل أكثر، أرى أن كل هذا لم يخرج من عقل رناد فقط، بل خرج من أنوثتها أيضًا.

    ليس بمعنى الضعف، ولا بمعنى الصورة الضيقة التي يريدها المجتمع عن الأنثى.
    بل بمعنى الرعاية.
    الاهتمام.
    الصبر.
    التعليم الهادئ.
    القدرة على ملاحظة التفاصيل الصغيرة.
    القدرة على أن تقول للآخر: “أنا أراك. أنا أفهم خوفك. تعال نمشيها سوا.”

    هذه صفة عظيمة من صفات الأنوثة: أن ترعى الحياة.

    والأنثى عندما تجد الدعم، لا تذبل.
    عندما تجد المساحة، لا تخرب العالم.
    عندما تجد الاحترام، لا تتمرد على الخير.
    بل تعطي.
    تبتكر.
    تبني.
    تعلّم.
    وتحوّل الألم إلى أمل.

    عمل الأنثى لا يجب أن يكون شقاءً دائمًا، ولا إثباتًا قاسيًا أنها تستطيع.
    قد يكون عملها مصدر إلهام.
    مصدر حياة.
    مصدر أمان.
    مصدر نور يمشي في الأرض ويقول: يمكننا أن نفعل هذا بطريقة أرحم، أعمق، وأجمل.

    اليوم، أنا لا أكتب عن نفسي فقط.

    أنا أقف خارج القصة، وأنظر إلى رناد من بعيد.

    أراها فتاة دخلت طب الأسنان، فتعلمت الدقة والجذور والألم والإصلاح.
    ثم دخلت الزراعة، فتعلمت الأرض والبذرة والموسم والصبر.
    ثم جمعت بينهما دون أن تقصد:
    أن تصلح ما يتألم، وأن ترعى ما يريد أن ينبت.

    أراها تحاول، تتعب، تسأل، تنهار أحيانًا، ثم تعود لتبني نظامًا جديدًا من قلب الفوضى.
    أراها لا تريد أن تكون مجرد بائعة.
    ولا تريد أن تكون مجرد صاحبة مشروع.
    بل تريد أن تكون جزءًا من نهضة، من معنى، من حياة أكبر منها.

    وأنا فخورة بها.

    فخورة برناد التي لم تفهم قصتها من البداية، لكنها لم تتوقف عن السؤال.
    فخورة بها لأنها لم تجعل الألم نهاية، بل مادة خام للمنهج.
    فخورة بها لأنها اختارت أن يكون نجاح المزارع قضيتها، لا مجرد أرقام في دفتر المبيعات.
    فخورة بها لأنها ما زالت تؤمن أن السودان لم يُخلق ليكون بلدًا متعبًا فقط، بل بلدًا قادرًا على النهوض من أرضه.

    السودان خلقه الله للزراعة.
    والزراعة ليست مهنة قديمة منسية.
    الزراعة هي موضة العصر.
    هي الأمن الغذائي.
    هي الاقتصاد.
    هي الكرامة.
    هي الاستقلال.
    هي العلاقة الأولى بين الإنسان والأرض.

    والمزارع السوداني، رجلًا كان أو امرأة، ليس مواطنًا على الهامش.
    هو مواطن درجة أولى.
    هو صانع حياة.
    هو من يقف في الشمس والطين والموسم ليطعم الناس، ويحمل أملًا لا يعرف العالم قيمته كما ينبغي.

    لذلك، إن كانت لرناد أمنية، فهي أن ترى الأرض السودانية حية.
    أن ترى المزارع السوداني واعيًا، قويًا، محترمًا، ومطمئنًا.
    أن ترى الزراعة تُعامل كقضية وطنية، لا كخيار منسي.
    أن ترى النساء والرجال معًا يبنون، يزرعون، يتعلمون، وينهضون.

    ربما لهذا دخلت طب الأسنان.
    وربما لهذا ذهبت إلى الزراعة.
    وربما لم تكن الطرق المتفرقة متفرقة أصلًا.

    ربما كانت كلها تقول شيئًا واحدًا:

    أن رناد جاءت لتتعلم كيف يُعالَج الألم من جذره،
    وكيف تُرعى الحياة من بذرتها،
    وكيف يتحول الوجع، عندما يجد قلبًا صبورًا، إلى نظام يفتح الطريق لغيره.

    وهذه، ربما، هي القصة.

    د.رناد ابوكشوة