بقلم / الطيب مضوي شيقوق- المحامي
لا جدال في أن وجود محكمة دستورية مستقلة يمثل أحد أهم مقومات دولة المؤسسات والحكم الراشد، فهي الجهة التي تضبط إيقاع الحياة الدستورية، وتحمي مبدأ سمو الدستور، وتمنع تغول أي سلطة على اختصاصات غيرها. غير أن الجدل الذي يثار في السودان حول تشكيل المحكمة الدستورية لا يتعلق بأهمية وجودها من حيث المبدأ، وإنما يتعلق بالظروف التي تنشأ فيها، والضمانات التي تكفل استقلالها، ومدى قدرتها على ممارسة دورها بعيدًا عن تأثيرات السلطة السياسية.
إن المحكمة الدستورية ليست محكمة عادية، فهي تقف في موقع حساس يجعلها حَكَمًا بين السلطات، وقد تنظر في دستورية قوانين أو قرارات صادرة من الجهات التي شاركت في إنشائها أو تعيين أعضائها. ومن هنا فإن استقلالها لا يمثل ترفًا قانونيًا، بل هو شرط أساسي لوجودها وقيامها برسالتها.
لقد عرف السودان القضاء الدستوري عبر مراحل مختلفة، وكانت فكرة الرقابة على دستورية القوانين محل نقاش بين من يرى أن المحكمة العليا قادرة على القيام بهذا الدور من خلال دوائرها المختصة، وبين من يرى ضرورة وجود محكمة دستورية مستقلة تتفرغ لهذه المهمة باعتبارها من سمات الدولة الحديثة. وقد انتهى التطور الدستوري إلى تبني خيار المحكمة الدستورية باعتبارها مؤسسة قائمة بذاتها.
غير أن الإشكال الذي يواجه السودان اليوم يتمثل في أن بناء المؤسسات العدلية لا ينفصل عن الواقع السياسي والدستوري الذي تنشأ في ظله. فالمحكمة الدستورية تحتاج، حتى تكتسب احترامها وهيبتها، إلى أساس دستوري واضح، وإلى قدر من التوافق الوطني حول طبيعتها واختصاصاتها وتشكيلها. ذلك أن القضاء الدستوري يستمد قوته ليس فقط من النصوص القانونية، وإنما كذلك من الثقة العامة في نزاهته واستقلاله.
إن تعيين أعضاء المحكمة بواسطة سلطة قائمة أمر تعرفه معظم النظم الدستورية، ولا يعني بالضرورة أن المحكمة ستكون خاضعة لها. فالقاضي الدستوري لا يستمد شرعيته من الجهة التي عينته، وإنما من استقلال ضميره القضائي والتزامه بالدستور والقانون. لكن الخطر يظهر عندما تكون آليات الاختيار أو العزل أو إدارة شؤون المحكمة خاضعة لإرادة جهة واحدة، مما قد يثير مخاوف مشروعة حول قدرتها على إصدار أحكام مستقلة في مواجهة تلك الجهة.
إن ضمان استقلال المحكمة الدستورية يتطلب مجموعة من التدابير، أهمها أن يكون اختيار القضاة قائمًا على الكفاءة والخبرة والاستقامة، وأن تكون ولايتهم محمية من العزل التعسفي، وأن تتوافر للمحكمة مواردها واستقلالها الإداري والمالي، وألا تكون قراراتها محل تدخل أو ضغط من أي سلطة.
أن المحكمة الدستورية لا ينبغي أن تكون جزءًا من التجاذب السياسي، بل يجب أن تكون فوق الصراع السياسي، لأن وظيفتها ليست ترجيح مصلحة طرف على آخر، وإنما حماية القواعد الدستورية التي تحكم الجميع. فالسلطة التي تحترم المحكمة الدستورية هي في الحقيقة تحمي نفسها من الانحراف، لأن الدستور ليس قيدًا على الدولة، بل هو الضمان الذي يحفظ استقرارها.
وفي الحالة السودانية الراهنة، فإن التحدي الأكبر أمام المحكمة الدستورية لن يكون فقط في ممارسة اختصاصاتها القانونية، وإنما في بناء الثقة العامة حولها. فالمواطن يحتاج إلى أن يطمئن بأن المحكمة قادرة على الوقوف على مسافة واحدة من الجميع، وأن أحكامها تصدر وفق صحيح القانون لا وفق موازين السياسة.
إن نجاح المحكمة الدستورية في السودان سيكون اختبارًا حقيقيًا لمسار بناء دولة القانون. فإذا استطاعت أن تحمي الحقوق والحريات، وأن تراقب دستورية أعمال السلطات دون خوف أو تردد، فإنها ستصبح ركيزة أساسية للاستقرار والتحول الديمقراطي. أما إذا تحولت إلى مؤسسة شكلية تبرر قرارات السلطة، فإنها ستفقد أهم مقومات وجودها.
والسؤال الذي سيظل مطروحًا أمام التاريخ ليس: من قام بتشكيل المحكمة الدستورية؟ وإنما: هل استطاعت المحكمة، بعد تشكيلها، أن تحكم على الجميع بالمعيار ذاته، وأن تقول للسلطة قبل المواطن إن الدستور فوق الجميع؟
إن الدول لا تقاس بكثرة مؤسساتها، وإنما بمدى استقلال تلك المؤسسات وقدرتها على أداء رسالتها. والمحكمة الدستورية المستقلة ليست خصمًا للسلطة، بل هي الضمانة التي تجعل السلطة مشروعة، وتجعل دولة القانون حقيقة لا مجرد شعار.











إرسال تعليق