الوطنية… حين تتحول المشاعر إلى مسؤولية

  • بتاريخ : 9 يوليو، 2026 - 3:18 م
  • الزيارات : 20
  • بقلم / م. م. الإمام عبداللطيف الإمام

    الوطنية من أكثر الكلمات تداولًا، وأقلها فهمًا. يرفعها الجميع شعارًا، لكن القليلين يحولونها إلى سلوك ومسؤولية. فهي ليست مجرد مشاعر جياشة أو كلمات تُقال في المناسبات، وإنما هي منظومة من القيم والأخلاق والواجبات، وصدق في الانتماء، وإخلاص في العمل، وحرص على مصلحة الوطن فوق المصالح الضيقة.
    ليس كل من بكى على وطنه قد أدى حقه، وليس كل من رفع علمه قد كان وطنيًا بالضرورة. فالمشاعر وحدها لا تكفي؛ لأن الوطنية موقف أخلاقي وسلوك يومي. قد يعيش إنسان بعيدًا عن وطنه، لكنه يحافظ على سمعته، وينقل خبرته، ويسهم في نهضته، فيكون أكثر عطاءً ممن يعيش فيه ولا يحمل همومه.
    والوطنية ليست تأييدًا لحكومة، ولا معارضة لها؛ فالحكومات تتغير، والأنظمة تزول، أما الوطن فيبقى. الوطني الحقيقي قد يختلف مع السياسات والقرارات، لكنه لا يسمح أن يتحول خلافه إلى عداء لوطنه أو إضرار بمصالحه. فهناك فرق كبير بين نقد السياسات، وبين الإساءة إلى الدولة ومؤسساتها ومقدراتها.
    كما أن الوطنية ليست امتيازًا تحتكره جماعة أو حزب أو قبيلة أو جهة، فالوطن أكبر من كل الانتماءات الضيقة. وعندما يصبح الانتماء الحزبي أو القبلي مقدمًا على الانتماء الوطني، تبدأ مسيرة التشظي، ويتحول الاختلاف الطبيعي إلى صراع يضعف الجميع ويجعل الوطن هو الخاسر الأكبر.
    وتبدأ الوطنية الحقيقية منذ الطفولة؛ فهي لا تُورث بالدم، بل تُغرس بالتربية والقدوة الحسنة. فالطفل الذي يتعلم في أسرته احترام الآخرين، والمحافظة على الممتلكات العامة، والصدق، والتعاون، وحب العمل، واحترام التنوع، ينشأ مواطنًا صالحًا يدرك أن حب الوطن ليس شعارًا، بل مسؤولية وسلوك.
    ويأتي دور المدرسة مكملًا لدور الأسرة، فالوطنية لا تُبنى بالمناهج النظرية وحدها، بل بالممارسة اليومية؛ من خلال ترسيخ الانضباط، واحترام القانون، والعمل الجماعي، وخدمة المجتمع، وتعريف الطلاب بتاريخ وطنهم ورموزه، وغرس قيم المواطنة والتسامح وقبول الآخر. فالتعليم الذي يجمع بين المعرفة والتربية هو الطريق لبناء جيل يعتز بوطنه ويسعى إلى تقدمه.
    وفي الحياة اليومية تظهر الوطنية في احترام القانون، وصون المال العام، والإخلاص في العمل، وإتقان المهنة، والمحافظة على البيئة، ومساندة الضعيف، والمشاركة في بناء المؤسسات. وفي الأزمات تظهر في تغليب الحكمة على التحريض، والوحدة على الفرقة، والحقيقة على الشائعة، والمصلحة العامة على المكاسب الضيقة.
    إن الوطنية ليست أن نطالب الوطن بكل شيء، بل أن نسأل أنفسنا أولًا: ماذا قدمنا نحن لهذا الوطن؟ فالأوطان لا تُبنى بالحقوق وحدها، وإنما تُبنى كذلك بالواجبات. وكل مجتمع يطالب بما له ولا يؤدي ما عليه، يستهلك وطنه أكثر مما يبنيه.
    وقد أثبتت التجارب أن أخطر ما يهدد الدول ليس الفقر أو قلة الموارد فقط، بل ضعف الشعور بالمسؤولية الوطنية؛ فعندما يصبح الخطأ مقبولًا إذا صدر من القريب، والفساد مبررًا إذا خدم الجماعة، والكذب وسيلة لتحقيق المكاسب، يبدأ الوطن في التآكل من الداخل.
    وفي السودان، الذي يمر بمرحلة صعبة من تاريخه، أصبحت الوطنية اختبارًا حقيقيًا للجميع؛ اختبارًا في الكلمة التي توحد ولا تفرق، وفي الموقف الذي يجمع ولا يقسم، وفي العمل الذي يبني ولا يهدم. فالوطن لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر حاجته إلى عقول واعية، وسواعد منتجة، وقلوب مخلصة تتجرد لمصلحته.
    إن الأوطان لا تبنى بالشعارات، ولا تُحفظ بالهتافات، وإنما يحفظها العدل، والحكم الراشد، والرؤية الثاقبة، وسيادة القانون، وإعلاء المصلحة العامة، والعمل المنتج، ووحدة الصف.
    فالوطنية الحقيقية ليست أن تقول: “أحب وطني”، بل أن تجعل وطنك يشعر بهذا الحب في كل ما تفعل.
    فهي ليست ما نقوله عندما يُرفع العلم، وإنما ما نفعله عندما تنخفض الأعلام، ويغيب التصفيق، ولا يبقى بين الإنسان ووطنه إلا ضميره.