نحو تيار وطني سوداني جديد: من الأيديولوجيا إلى فكرة الدولة

  • بتاريخ : 8 يوليو، 2026 - 7:50 ص
  • الزيارات : 31
  • د. حيدر معتصم مدني
    “إشراف: مركز الخرطوم للحوار”

    منذ الاستقلال وحتى اليوم ظل المجال السياسي السوداني يتحرك ـ بدرجات متفاوتة ـ داخل:
    منطق الأيديولوجيا.
    أي أن معظم القوى السياسية تعاملت مع الدولة باعتبارها:
    أداة لتنفيذ مشروع فكري،
    أو وسيلة لفرض تصور معين للهوية والمجتمع والسياسة.
    ولهذا دخل السودان في صراع طويل بين:
    مشاريع متنافسة على تعريف الوطن،
    لا بين برامج مختلفة لإدارة وطن متفق عليه.
    ومن هنا تعثرت عملية بناء الدولة.
    لأن الأيديولوجيا ـ مهما كانت ـ حين تتحول إلى مرجعية أعلى من الوطن، فإن السياسة تفقد قدرتها على:
    إدارة التنوع،
    وبناء التوافق،
    وصناعة المجال الوطني المشترك.
    وهذا ما عاشه السودان لعقود طويلة.
    فكل تيار كان يرى نفسه:
    صاحب الحقيقة،
    أو الممثل الحقيقي للوطن،
    أو الحارس الشرعي للهوية.
    وفي المقابل جرى التعامل مع المختلفين باعتبارهم:
    تهديدًا للمشروع الوطني،
    أو خطرًا على الدولة،
    أو عقبة أمام “الخلاص”.
    وهنا تحولت السياسة من:
    إدارة للاختلاف…
    إلى:
    معركة بين مشاريع خلاص متصارعة.
    ومن أخطر نتائج ذلك أن:
    فكرة الدولة نفسها تراجعت لصالح:
    فكرة الجماعة.
    فأصبح الولاء أحيانًا:
    للحزب،
    أو الأيديولوجيا،
    أو التحالف،
    أكثر من الولاء:
    للوطن الجامع.
    ولهذا فإن السودان لا يحتاج فقط إلى:
    أحزاب جديدة…
    بل يحتاج إلى:
    وعي سياسي جديد.
    وعي ينتقل من:
    منطق الأيديولوجيا المغلقة…
    إلى:
    منطق الدولة الوطنية الجامعة.
    ومن هنا تظهر أهمية:
    التيار الوطني.
    لكن المقصود هنا ليس:
    حزبًا جديدًا،
    ولا تحالفًا انتخابيًا عابرًا،
    ولا جبهة سياسية مؤقتة.
    بل المقصود:
    إطار وطني واسع يعيد ترتيب العلاقة بين:
    الدولة،
    والمجتمع،
    والسياسة،
    والهوية،
    والأمن القومي.
    أي تيار يقوم على فكرة بسيطة وعميقة:
    أن الوطن أكبر من الأيديولوجيا.
    وأن الدولة ليست غنيمة فكرية.
    وأن السياسة يجب أن تتحرك داخل:
    مرجعية وطنية مشتركة،
    لا داخل مشاريع احتكار للحقيقة.
    ولهذا فإن التيار الوطني الحقيقي لا يُبنى على:
    إلغاء التنوع،
    ولا على إذابة الاختلافات الفكرية.
    بل يُبنى على:
    الاتفاق حول:
    الثوابت الوطنية العليا التي تجعل الاختلاف ممكنًا دون انهيار الدولة.
    أي الاتفاق على:
    السيادة الوطنية،
    ووحدة الدولة،
    والأمن القومي،
    والهوية الجامعة،
    والمصلحة الوطنية العليا.
    ثم بعد ذلك يتنافس الناس بحرية حول:
    البرامج،
    والسياسات،
    وطرق إدارة الدولة.
    ومن هنا فإن الفرق كبير بين:
    التيار الوطني…
    والتيار الأيديولوجي.
    فالتيار الأيديولوجي يبدأ من:
    الفكرة التي يريد فرضها على المجتمع.
    أما التيار الوطني فيبدأ من:
    الدولة التي يريد حمايتها وبناءها.
    ولهذا فإن التيار الوطني لا يرى:
    الجيش عدوًا،
    ولا المجتمع المدني خصمًا،
    ولا التنوع خطرًا،
    ولا السياسة حربًا مقدسة.
    بل يرى أن:
    كل هذه المكونات يجب أن تعمل داخل:
    مشروع وطني متوازن.
    ومن هنا فإن السودان يحتاج اليوم إلى:
    تحول عميق في الوعي السياسي.
    تحول ينقل المجال العام من:
    الصراع على الهيمنة…
    إلى:
    التنافس داخل دولة متفق عليها.
    ومن أخطر ما واجه السودان أيضًا أن كثيرًا من المشاريع السياسية كانت تتحرك بمنطق:
    “من ينتصر؟”
    بينما السؤال الأهم كان دائمًا:
    “كيف يبقى الوطن؟”
    ولهذا فإن التيار الوطني الحقيقي لا يبحث فقط عن:
    الوصول إلى السلطة.
    بل يبحث أولًا عن:
    إعادة تأسيس المرجعية الوطنية التي تجعل السلطة نفسها جزءًا من استقرار الدولة لا سببًا لانهيارها.
    ومن هنا فإن بناء التيار الوطني السوداني لا يبدأ فقط عبر:
    التحالفات السياسية…
    بل يبدأ أولًا عبر:
    إعادة بناء:
    الوعي،
    والمجتمع،
    والمجال المدني،
    والثقافة الوطنية،
    والإحساس بالمصلحة المشتركة.
    أي بناء:
    عقل وطني جديد.
    عقل يدرك أن:
    الدولة ليست مشروع جماعة،
    وأن الوطن لا يُختزل في أيديولوجيا،
    وأن التنوع لا يعني التفكك،
    وأن الاختلاف لا يعني الاستئصال.
    ولهذا فإن السودان لا يحتاج اليوم فقط إلى:
    تغيير سياسي…
    بل يحتاج إلى:
    تحول وطني شامل.
    تحول يعيد السياسة إلى:
    وظيفتها الطبيعية،
    ويعيد المجتمع إلى:
    مكانته المرجعية،
    ويعيد الدولة إلى:
    معناها الجامع.
    ومن هنا فإن التيار الوطني ليس مجرد:
    خيار سياسي…
    بل ضرورة تاريخية.
    لأن الدول التي تفشل في إنتاج:
    تيار وطني جامع،
    تظل أسيرة:
    الاستقطاب،
    والتفكك،
    ودورات الصراع التي لا تنتهي.
    أما الدول التي تنجح في بناء:
    مرجعية وطنية أوسع من الجماعات المتصارعة،
    فإنها تتحول تدريجيًا من:
    ساحة صراع…
    إلى:
    وطن قابل للاستقرار والاستمرار.
    وهذه هي المعركة الحقيقية أمام السودان اليوم:
    ليس فقط…
    من يحكم؟
    بل:
    كيف نعيد بناء وطن يشعر الجميع أنه أكبر من معاركهم المؤقتة؟