السودان وعلل الفشل في بناء الدولة (19)

  • بتاريخ : 7 يوليو، 2026 - 4:59 م
  • الزيارات : 33
  • بقلم /م. مامون محمد الطيب عمر

    في خواتيم هذا المحور أرجو أن أتناول في هذه الحلقة والتي تليها التغير والتطور الثقافي و السلوكي للشخصية السودانية فترة ما بعد الإستقلال من الحكم البريطاني وحتى يومنا الحاضر بلمحات سريعة تأخذ بعين الإعتبار التحولات السياسية و الإقتصادية إضافة للتغيرات السريعة في العالم والتي أثرت بشكل كبير على الحالة الإجتماعية عامة.

    بخروج البريطانيين بداء الأثر المسيطر والموجه للعمل السياسي والإقتصادي ومن ثم الإجتماعي بالإضمحلال تدريجياً فاستعادت الأنماط الإجتماعية كالإنتماء الإثني القبلي والجهوي شيء من زخمها و أستخدمت كأداة للإستحواذ على غنيمة السلطة والمال وبرز مفهوم نفع القريب إثنيه ونسبا وصهرا و جهة بديلاً عن الكفاءة في تسنم وظائف الدولة في القطاعين المدني والعسكري كما ساهم الإنتماء السياسي أيضاً في هذا الإقتسام وبدأ التراجع عن الإنضباط والتقيد باللوائح الناظمة لحركة العمل والإنتاج والتحلل من الإلتزام الصارم بضابط الزمن وإحترام أولويات الواجب لصالح الواجبات الإجتماعية الموروثة والسلوك المتراخي المميز للمجتمع السوداني عموما في البروز وتسيد المشهد الإجتماعي تقوده الشريحة المتكونة من سكان المدن والحواضر وعلى رأسها المجموعات المتزايدة بإضطراد من خريجي مؤسسات التعليم النظامي التي أسهمت في ظهور أنماط ومفاهيم جديدة للسلوك والقيم مشدودة بين قطبي الموروث بحمولته الإثنية ومعاييره القديمة، والقادم الجديد بمفاهيمه المختلفة ومظاهره فلم يلتصق أصحاب هذه الشريحة بمجتمعاتهم المحلية لتطوير أساليبها القديمة في الإنتاج والإرتقاء بمستوى الحياة فيها بما إكتسبوا من معارف وعلوم .. ولم ينعتقوا عنها بالكلية فراوحوا مكانهم بين هذا وذاك ولعل نشأة هذه الشريحة في محاضن خاصة في المدارس والمعاهد الداخلية قد أسهم بتوليد هذه الحالة المتنازعة فمثلت هذه الشريحة المتعاظمة عدداً على مر السنون رأس الرمح في إستهلاك المنتوج القومي من عائد الدولة الريعية لمقابلة حاجاتها لموقع في سوق العمل المحدود بالوظيفة بدواوين الدولة ومؤسساتها المحدودة وحاجاتها من متطلبات الحياة المدنية الحديثة من خارج الحدود منافسة بذلك أية فرصة أخرى لتطوير مشروعات البنية الأساسية والمشاريع الإنتاجية اللازمة لإستدامة مقدرة الدولة لمقابلة الطلب المتزايد كما مثلت عبئا متزايدا على قطاعات الخدمات المحدودة أدى لتدهورها لاحقاً كما حدث على التحقيق، فأصبح التعليم لأجل الحصول على موقع ضمن هذه الشريحة هدفاً يطلبه الجميع فالعائد المادي وما يتبعه من تميز إجتماعي للفرد و من خلفه أسرته صار هدفاً يفوق التميز العلمي وما ينتجه من إضافة للمجتمع بأسره وبرزت بصور متزايدة النزعة الاستهلاكية والمظهرية والتنافس عليها في مناحي الحياة المختلفة

    قادت هذه الشريحة المجتمع السوداني بمفاهيمها سلباً وإيجابا خلال عقود ما بعد الاستقلال في كافة مجالات العمل السياسي والإقتصادي والإجتماعي وهي تحمل على أكتافها هذه الحمولة المتنازعة. و كانت محط أنظار جميع شعوب السودان ورجائهم في تطوير حياتهم المادية والمعنوية والإرتقاء بها لمصاف الدول التي سبقت في سلم التطور الإنساني ..

    فهل أوفت بهذا الدور أم أن التنازع بين التطلع لحياة مثمرة لشعوبها وما يستلزمه من تضحيات تتجاوز الرغائب الشخصية وقيد المجتمع القديم بمعاييره الراسخة في الإستمتاع بفضل الإنتماء لهذه الشريحة وعوائدها الآنية كان صاحب الغلبة .. ؟

    أرى من واقع الحال أن شريحة المتعلمين (اسمي نفسي كأحدهم) إتصفت بالأنانية الزائدة لمقابلة تطلعاتها الذاتية ومن خلفها حمولة مجتمعية من الأسرة القريبة و القرابات حولها تعزز ذلك وتعتبره نجاحا وإن أخفق في تطوير المجتمع نفسه وقعد به عن بلوغ التطور المنشود بما إكتسب من أدوات ومعارف ..
    ظهر ذلك السلوك الذاتي الموغل في الأنانية بدفع قيم المجتمع نفسه وتشجيعه فكان خروج الأوائل من فئة المتعلمين للعمل السياسي خضوعا عن غالبهم للحزبين الطائفيين عوضا عن المكابدة التي تتطلبها عملية البناء الشاقة خارج مظلتهما .. وتمثلت في الصراع السياسي الصفري بين القوى السياسية التي مثلتها الأحزاب السياسية الصغير خارج مظلة الطائفية يمينا في مواجهة اليسار .. سلوكا أنانيا بامتياز ..لايرى سوى الأنا افراد او جماعات منظمة حتى إنتهت للحرب الحالية .. وشهدناها في الهروب المتزايد الذي مثل نزيفا في القوى المؤثرة والعقول التي تقود التطوير الى خارج الوطن مع طفرة النفط بدول الخليج في سبعينات القرن الماضي طلبا للسلامة وسهولة العيش على قيم الصبر على المصاعب التي يتطلبها بناء الدولة والمجتمع ..
    تلك الفئة التي عرفها أحد ابرز وجوهها دكتور منصور خالد في كتاباته وتحدث عن فشلها كنخب .. هي أحد نتائج نظام تعليمي قصر عن أن يخرج من خطة المحتل لتفريخ عمالة سهلة رخيصة ومطيعة الى فضاء الابداع الإنساني الذي يقود تطوير مجتمعاته نحو دولة عصرية ناجحة.. كما فعلت كثير من النخب في محتمعاتها ..

    أواصل ..