بقلم: م .م الإمام عبداللطيف الامام
الثلاثاء 7 يوليو 2026م
في الرابع من يوليو 2026، أعلن بنك السودان المركزي قراره بسحب الفئات النقدية من (1) إلى (50) جنيهًا من التداول، ومنح المواطنين مهلة لاستبدالها عبر الجهاز المصرفي، مبررًا ذلك بفقدان هذه الفئات لقيمتها نتيجة التضخم المتسارع وتراجع قيمة الجنيه السوداني.
ورغم أن القرار يبدو في ظاهره إجراءً نقديًا وتنظيميًا، إلا أنه في جوهره يحمل اعترافًا صريحًا بواقع اقتصادي بالغ الصعوبة. فالعملة لا تفقد قيمتها لأن أوراقها قديمة أو لأن فئاتها صغيرة، وإنما تفقدها عندما تتراجع قدرتها على تلبية إحتياجات الناس، ويصبح ما كان يشتريه الجنيه بالأمس يحتاج اليوم إلى عشرات أو مئات الجنيهات.
لا أحد يعترض على حق البنك المركزي في إعادة هيكلة الفئات النقدية بما يتناسب مع المتغيرات الاقتصادية، فهذه ممارسة معروفة في كثير من دول العالم. لكن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه هو: هل يكفي سحب الفئات الصغيرة لمعالجة الأزمة الاقتصادية؟ أم أن القرار لا يعدو كونه إستجابة لنتائج الأزمة، *بينما تبقى أسبابها قائمة؟*
إن المشكلة ليست في ورقة نقدية تحمل رقمًا صغيرًا، بل في اقتصاد يعاني من إرتفاع الأسعار، وتراجع مستمر في سعر الصرف، وإنخفاض في الإنتاج، وضعف في النشاط الإستثماري، إلى جانب تداعيات الحرب التي ألقت بظلالها الثقيلة على مختلف مفاصل الحياة الاقتصادية.
وإذا كان البنك المركزي قد إتخذ هذا القرار لتخفيف أعباء طباعة أوراق فقدت قيمتها العملية، فإن ذلك لا يغيّر من حقيقة أن المواطن السوداني لا ينتظر إستبدال أوراق نقدية، بل ينتظر إستقرار الأسعار، وتحسن مستوى المعيشة، وإستعادة الجنيه السوداني لجزء من قدرته التي تراجعت خلال السنوات الأخيرة.
إن قيمة العملة ليست فيما يُكتب عليها، وإنما فيما تستطيع أن تشتريه. وكلما ضعفت قدرة المواطنين على الحصول على إحتياجاتهم، تراجعت معها ثقتهم في عملتهم، وأتجه كثيرون إلى البحث عن وسائل أخرى لحفظ مدخراتهم، وهو أمر يضعف الإقتصاد ويزيد من تعقيد الأزمة.
ولا يخفى أن نجاح هذا القرار يتوقف أيضًا على قدرة الدولة على تمكين جميع المواطنين من إستبدال ما بحوزتهم من هذه الفئات، خاصة في المناطق التي لا تزال تعاني من ظروف أمنية أو ضعف في الخدمات المصرفية، حتى لا تضيع حقوق الناس بسبب ظروف خارجة عن إرادتهم.
إن الإصلاح الإقتصادي الحقيقي لا يبدأ بسحب فئات نقدية من الأسواق، وإنما يبدأ بإحياء الإنتاج الزراعي والصناعي، وترشيد الإنفاق العام، ومحاربة الفساد، وتوسيع القاعدة الضريبية بعدالة، وتشجيع الإستثمار، وإستعادة الإستقرار السياسي والأمني، فهذه هي الأسس التي تمنح أي عملة قوتها وهيبتها.
إن قرار البنك المركزي ينبغي أن يُقرأ باعتباره جرس إنذار، لا مجرد إجراء إداري. فحين تختفي الفئات الصغيرة لأنها فقدت قيمتها، فإن الرسالة الأهم ليست إختفاء تلك الأوراق، بل تراجع قدرة المواطن على تلبية إحتياجاته، وهو ما يستوجب إصلاحات إقتصاديّة عميقة وشجاعة تعالج جذور الأزمة لا مظاهرها.
ويبقى الأمل معقودًا على أن تكون هذه الخطوة جزءًا من رؤية إقتصادية شاملة تعيد الثقة إلى الجنيه السوداني، وتضع الإقتصاد الوطني على طريق التعافي والإستقرار، لأن الأوطان لا تُقاس بقيمة أوراقها النقدية، بل بقوة إقتصادها، وعدالة سياساتها، وقدرتها على توفير حياة كريمة لمواطنيها.











إرسال تعليق