بقلم / م م الإمام عبداللطيف الإمام
يمثل توقيع وثيقة الصلح المجتمعي لولاية سنار، ولا سيما بمحلية الدندر، في الخامس من يوليو 2026، خطوة وطنية مهمة ورسالة أمل في وقتٍ أحوج ما يكون فيه السودان إلى مبادرات تعزز وحدة الصف، وتداوي آثار الحرب، وتعيد بناء الثقة بين أبناء الوطن. فقد أنهكت الحرب الإنسان والمكان، ولم يعد أمام الجميع سوى الانحياز لخيار السلام باعتباره الطريق الوحيد نحو الاستقرار والتنمية.
ولا شك أن هذه الوثيقة تستحق الترحيب والدعم، لأنها تعكس إرادة رسمية ومجتمعية لتغليب لغة الحوار على لغة الصراع، وتؤكد أن التوافق بين مكونات المجتمع هو المدخل الصحيح لبناء مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا. كما أنها تبعث برسالة مهمة مفادها أن المجتمع السوداني لا يزال قادرًا على تجاوز المحن متى ما توفرت الإرادة الصادقة وتغلبت المصلحة الوطنية على المصالح الضيقة.
غير أن التجارب، في السودان وفي غيره من الدول، أثبتت أن قيمة أي وثيقة لا تُقاس بجمال صياغتها أو بعدد الموقعين عليها، وإنما بمدى الالتزام بتنفيذها وتحويل مبادئها وبنودها إلى واقع يلمسه المواطن في أمنه ومعيشته وكرامته. فالسلام لا يصنعه الحبر الذي تُكتب به الاتفاقات، وإنما تصنعه الإرادة الصادقة، وسيادة القانون، والعدالة التي يشعر بها الجميع دون استثناء.
ومن هنا، فإن نجاح هذه الوثيقة يقتضي أن تكون بداية لمرحلة جديدة تُعالج فيها أسباب النزاعات، وتُرسخ فيها هيبة الدولة، وتُعزز قيم المواطنة والمساواة، بعيدًا عن التمييز والإقصاء. كما يتطلب ذلك بسط الأمن، وإعادة الخدمات الأساسية، وتأهيل البنية التحتية، وتهيئة الظروف الملائمة لعودة المواطنين إلى قراهم ومناطقهم في أجواء يسودها الإطمئنان والإستقرار.
ومن أهم المبادئ التي ينبغي التأكيد عليها في هذه المرحلة أن المسؤولية الجنائية مسؤولية شخصية، فلا يجوز تحميل قبيلة أو جماعة بأكملها تبعات أفعال أفراد منها، لأن العدالة لا تعرف العقاب الجماعي، وإنما تقوم على مساءلة كل شخص عن فعله وفقًا للقانون. إن ترسيخ هذا المبدأ يمثل ضمانة أساسية لحماية النسيج الإجتماعي، ومنع تجدد الأحقاد، وتعزيز الثقة بين مكونات المجتمع.
كما أن السلام لا يكتمل دون تنمية حقيقية تعيد للمواطن الأمل في مستقبل أفضل. فالمدارس، والمستشفيات، والطرق، والكهرباء، ومشروعات الإنتاج، وفرص العمل، ليست مجرد خدمات، وإنما هي حقوق وأدوات فاعلة لصناعة السلام، لأنها تعالج جذور الأزمات، وتحد من أسباب النزاع، وتوفر للمواطن مقومات الحياة الكريمة.
*ولا يقل أهمية عن توقيع الوثيقة وضع آليات واضحة لمتابعة تنفيذها، وتحديد المسؤوليات، وإشراك مؤسسات الدولة، والإدارات الأهلية، والقيادات المجتمعية، ومنظمات المجتمع المدني في مراقبة تنفيذ بنودها وتقويم نتائجها بصورة دورية.* فالمبادرات الناجحة هي التي تستمر بعد التوقيع، وتترجم الوعود إلى إنجازات يشعر بها الناس في واقعهم اليومي.
إن وثيقة الصلح المجتمعي الموقعة في الخامس من يوليو ليست نهاية المطاف، بل هي بداية طريق يتطلب الصبر، والإرادة، والعمل المشترك. وإذا أحسن الجميع البناء عليها، فإنها يمكن أن تشكل نموذجًا ناجحًا لتعزيز السلم المجتمعي في ولاية سنار، وأن تمتد تجربتها إلى بقية ولايات السودان.
إن السودان اليوم في أمسّ الحاجة إلى سلام يحفظ الحقوق، ويصون الكرامة، ويؤسس لدولة القانون، ويعيد اللحمة بين أبنائه. فإذا صدقت النوايا، وحسن التنفيذ، والتزم الجميع بروح هذه الوثيقة ومقاصدها، فإن الخامس من يوليو 2026 سيظل يومًا يُذكر باعتباره بداية صفحة جديدة عنوانها السلام، والتعايش، والوحدة، والبناء.











إرسال تعليق