الدولة التي تسبق السياسة: كيف تبني المجتمعات المستقرة أنظمتها السياسية

  • بتاريخ : 3 يوليو، 2026 - 11:55 ص
  • الزيارات : 23
  •  

    د. حيدر معتصم مدني “إشراف: مركز الخرطوم للحوار”

    من أكبر المفارقات التي حكمت التجربة السودانية منذ الاستقلال أن السياسة تقدمت على الدولة.
    أي أن الصراع على:
    السلطة،
    والحكم،
    والتمثيل،
    والأيديولوجيا،
    بدأ قبل أن تُنجز عملية بناء:
    المرجعية الوطنية المشتركة،
    والعقد الاجتماعي،
    والمعنى المستقر للدولة.
    وهنا بدأ الخلل التاريخي.
    لأن المجتمعات المستقرة لا تبدأ من:
    التنافس السياسي،
    بل تبدأ أولًا من:
    بناء الدولة.
    أي بناء:
    الإطار الوطني الجامع الذي يجعل السياسة ممكنة دون أن تتحول إلى حرب وجودية.
    ولهذا فإن الدولة في معناها الحديث لا تُختزل في:
    الحكومة،
    ولا في السلطة،
    ولا في الحزب الحاكم،
    بل هي:
    المرجعية العليا التي تتحرك داخلها كل القوى السياسية مهما اختلفت.
    ومن هنا فإن السياسة الطبيعية لا تُنتج الدولة من الصفر في كل مرحلة…
    بل تتحرك داخل دولة:
    مستقرة المرجعية،
    واضحة الهوية،
    ومحصنة بثوابت تعلو فوق التنافس السياسي.
    لكن ما حدث في السودان أن المجال السياسي ظل يتحرك داخل:
    فراغ تأسيسي طويل.
    ولهذا كانت كل مرحلة سياسية تبدو وكأنها:
    محاولة جديدة لإعادة اختراع الدولة نفسها.
    ومن هنا تحولت السياسة من:
    وظيفة لإدارة الدولة…
    إلى:
    معركة على تعريف الدولة.
    وهذا هو الفرق الجوهري بين:
    الدولة التي تسبق السياسة…
    والدولة التي تحاول السياسة أن تخلقها باستمرار.
    ففي الحالة الأولى:
    توجد مرجعية وطنية مستقرة،
    ويصبح التنافس السياسي محكومًا بقواعد واضحة.
    أما في الحالة الثانية:
    فإن كل جماعة سياسية تحاول أن تجعل الدولة انعكاسًا:
    لأيديولوجيتها،
    أو لمصالحها،
    أو لتحالفاتها المؤقتة.
    وهنا تفقد الدولة معناها الجامع.
    ولهذا فإن المجتمعات المستقرة لا تبدأ بسؤال:
    من يحكم؟
    بل تبدأ أولًا بسؤال:
    ما الذي يجب أن يبقى فوق الحكم؟
    أي:
    ما هي الثوابت التي لا ينبغي أن تتحول إلى موضوع صراع حزبي؟
    ومن هنا تبني:
    الدستور،
    والمؤسسات،
    والمجال السياسي،
    داخل إطار وطني متفق عليه.
    لكن في السودان ظل السؤال السياسي يتقدم دائمًا على السؤال التأسيسي.
    فأصبحت السياسة تتحرك قبل أن تُحسم:
    الهوية،
    والمرجعية،
    وحدود الدولة،
    ووظيفة المؤسسات،
    ومعنى المصلحة الوطنية العليا.
    ولهذا كانت النتيجة أن:
    كل تغيير سياسي يتحول إلى:
    أزمة دولة،
    وكل انتقال سلطة يتحول إلى:
    معركة شرعية،
    وكل خلاف حزبي يتحول إلى:
    استقطاب مجتمعي واسع.
    لأن الدولة نفسها لم تكن دائمًا:
    سابقة على الصراع.
    ومن هنا يمكن فهم لماذا تعثرت معظم التجارب السياسية السودانية.
    لأن السياسة ظلت تحاول أن تقوم بوظيفة:
    التأسيس.
    بينما التأسيس الحقيقي يحتاج إلى:
    المجتمع،
    والثقافة،
    والتجربة التاريخية،
    والمرجعية الحضارية،
    والوعي الجمعي بالمصلحة الوطنية.
    أي أنه يحتاج إلى:
    عملية أعمق وأطول من مجرد الصراع على السلطة.
    ولهذا فإن واحدة من أكبر أخطاء النخب السودانية أنها تعاملت مع الدولة وكأنها:
    نتيجة للانتصار السياسي.
    بينما الحقيقة أن الدولة يجب أن تكون:
    سابقة على المنتصرين والخاسرين جميعًا.
    أي أن الجميع ينبغي أن يتحركوا داخل:
    دولة قائمة أصلًا،
    لا أن يحاول كل طرف إعادة تعريفها حين يقترب من السلطة.
    ومن هنا فإن بناء الدولة الحديثة لا يبدأ فقط عبر:
    الانتخابات،
    أو التسويات،
    أو تغيير الحكومات.
    بل يبدأ أولًا عبر:
    بناء المرجعية الوطنية التي تجعل السياسة ممكنة دون أن تهدد وجود الوطن نفسه.
    أي بناء:
    عقد اجتماعي،
    وهوية جامعة،
    ومجتمع قوي،
    وثقافة سياسية تؤمن بأن:
    الوطن أكبر من الأحزاب،
    وأن الدولة ليست غنيمة،
    وأن السياسة ليست حربًا مفتوحة على تعريف المجتمع.
    ولهذا فإن الدولة التي تسبق السياسة هي:
    الدولة التي تملك القدرة على الاستمرار رغم تغير الحكومات والأحزاب.
    أما الدولة التي تُترك للصراع السياسي كي يعيد تعريفها باستمرار…
    فإنها تدخل في:
    دورات لا تنتهي من الانقسام وعدم الاستقرار.
    ومن هنا فإن السؤال الحقيقي أمام السودان ليس فقط:
    كيف ننتج سلطة جديدة؟
    بل:
    كيف نبني دولة تصبح السياسة داخلها:
    وظيفة لإدارة الاختلاف…
    لا معركة لإعادة اختراع الوطن في كل مرحلة؟
    لأن الأوطان لا تستقر حين تنتصر جماعة…
    بل تستقر حين يشعر الجميع أن هناك:
    دولة تعلو فوق الجميع،
    وتبقى رغم اختلاف الجميع.
    وهذه هي نقطة البداية الحقيقية لأي مشروع وطني سوداني قابل للحياة والاستمرار.