بقلم /م.مامون محمد الطيب عمر
أفرز الوجود البريطاني ومؤسساته التي أقامها نمطا جديدا من الحياة أثر بعمق على قطاعات معتبرة من الشعوب السودانية و شمل الأثر شعوب غرب السودان بعد ضم سلطنة دارفور تحت مظلة دولة السودان ..
أبرز صور التغيير كما أشرت سابقا بروز الثنائية في مظاهر الحياة المختلفة فقد كان تطبع أهل المدن والحواضر والقرى المستقرة بسلوك المستعمر و التماهي مع مظهره ووجوده نظرا للتماس المباشر واليومي مع رموزه الشاخصة في الإنسان المتحكم في معاشهم و صراعاتهم أو فيما جلب من منتجات المدنية الغربية من الآلات والتقانة التي يسرت سبل الحياة و جلبت ليونة العيش ورفاهة ورقة السلوك والتعامل مقارنة بقساوة وجفاف حياة أهل البوادي والمرتحلون خلف قطعانهم وإن خضعوا لقوة وسلطان الدولة الجديدة ..
أسهم توفر الوظيفة الحكومية أو العمل ضمن الأنشطة التجارية الخاصة في إستقرار مداخيل ثابتة قامت عليها أشكال من الحياة المستقرة والمنضبطة بدولاب العمل ومواقيته في حين مثل الإنتماء للأجهزة العسكرية أو أشباهها رأس الهرم في ذلك وأوضح صور الالتزام بالنظام والقوانين والخضوع لإيقاع الزمن وضبط السلوك وفق القانون العام إحترام مقتضياته والتجمل بمظاهر السلوك المدني في الملبس والمأكل والسكن والتعامل مع الآخر .
لم تفلت الحياة ببوادي السودان من اثر هذا التغير الذي أصاب أهل الحواضر بالكلية فقد لاحقتها يد النظام و سلطان القانون تحت مظلتها القديمة وضمن نظامها العشائري والقبلي و إن بدرجة تقل كثيرا عن الأثر على أهل المدن والحواضر والريف المستقر ..
أنتج النظام التعليمي أيضا ثنائية أخرى بين خريجيه الذين كانت الطريق أمامهم سالكة للإلتحاق بدولاب الدولة أو القطاع الصناعي والخدمي الناشئ والإستمتاع بالوظيفة الراتبة باستدامة مدخولها وإستقرار الحياة الرغدة مقابل من فاتتهم فرصة الولوج لمرافق التعليم وحصد جائزته الثمينة فعاشوا الحياة كما عاشها أسلافهم فلاحة للأرض أو سعيا خلف القطعان أو الأعمال الهامشية اليومية فباعدت بينهم الحظوظ وحياة الإستقرار والسلوك الناتج عنها تمام كأهل الحضر مقابل أهل البوادي ..
أفرز النظام التعليمي المرسوم بعناية والذي قام على إنتخاب أفرادا لنبوغهم أو لإنتمائهم للأسر النافذة في مجتمعاتهم و تلقينهم العلوم في محاضن معزولة عن واقعهم اليومي بين أهلهم الأمر الذي أفرز طبقة مترفعة عن الحياة التي عاشتها أسرهم ومجافية في كثير من الحالات لطباعها ومظاهرها ومنفلتة عن بعض ضوابطها الإجتماعية وشمل الذكور والإناث لاحقا فنشأت ثنائية أحد أقطابها أفراد هذه الطبقة موزعة بين الإنتماء للجذور الإجتماعية ومحدداتها و التطلع لحيوات أخرى تخالف بعض من إرثها وأسهمت في بروز فوارق بينة بينها و محاضنها الأم و صلت عند البعض للتنكر لكثير من مراجعها الثقافية والقيمية والقطيعة معها أحيانا وإن ظل الكثير الغالب مرتبطا بهذه الجذور والمراجع مساهما في تغييرها بتقديم العون المادي والعمل على ترقي أجيال منها و العمل على تكرار التجربة التي عاشتها لأجيال لاحقة ومثلت هذه الفئة بشقيها المدني والعسكري طلائع النخب التي ستقود النشاط السياسي والإقتصادي والإجتماعي و قاطرة المجتمع نحو التغيير والنمو .. كما مثلت محضنا لترقية الحياة في شقها الثقافي فمنهم أهل الأدب والشعر والفنون المختلفة والقيادات التي حملت مشعل التغيير أو معول الهدم للدولة بعد ارتفاع إصر الوجود الأجنبي المحتل .. وتأثر إنتماء هذه الفئة بظاهرة الثنائية إنتماءا سياسيا بين طائفتي الختمية والأنصار و بين اليسار واليمين السياسيين و الإنتماء الوجداني بين العروبة والأفريقانية وبين ثقافة الغرب المتفوق والثقافات المحلية الموروثة
أسهم القرار السياسي والآقتصادي من قبل إدارة الإحتلال في خلق ثنائية مناطقية أيضا بإقامة المشروعات الكبرى كمشروع الجزيرة بإثراء الحياة وصبغها بمظاهر المدنية عبر توفير فرص العمل الراتب والمداخيل المجزية والخدمات اللازمة لإستدامة عجلة الإنتاج مقابل مناطق ضربت سكانها الفاقة و عسر الحياة ومشقتها ..
وثنائية أخرى صيغت بعناية ومكر فرقت بين شعوب السودان بين من ساند أو تغاضى عن حملة الإحتلال ومن قاوم و حارب الدخلاء فكان النصيب الأوفر من المودة والتمكين في دولاب الدولة بشقيه المدني والعسكري والإصطفاء لبعض القبائل والجهات والأسر والبيوتات مقابل الإبعاد والتهميش لما عداها ..
تحت فعل هذه الثنائيات سارت الحياة صاعدة على الصعيد المادي جالبة أصنافا من السلوك والترتيب الإجتماعي والإقتصادي والتغيير النوعي الواضح في ثقافة و معايير حياة الشعوب السودانية بمفارقات فاضحة بين طرفي هذه الثنائيات التي ساهمت قوة وحضور الدولة الطاغي في تثبيتها وانزواء صور ومظاهر الحياة القديمة ومرتكزاتها فمنها ما أدبر غير رجعة ومنها ما إنحط أثره الظاهر كمونا في النفوس إلى حين
وسمت هذه الثنائية التي نتجت بفعل النشاطات الطبيعية للدولة أو المقصودة والمخططة مسير الحياة خلال فترة وجود البريطانيين المادي و كانت المحفز الأساس لكثير مما سيعانيه السودان وشعوبه من أزمات وتناحر فكيف تركت أحذية الجند البريطانية السودان والسودانيين صبيحة أول يناير ١٩٥٦م وهي تعلن استقلاله كدولة يحكمها بنيها ويصوغون مستقبلها .. ؟!
أواصل ..











إرسال تعليق