منصة مركزية موحدة لدمج البنوك والمدفوعات الإلكترونية… البوابة إلى بورصات السودان الحديثة

  • بتاريخ : 2 يوليو، 2026 - 5:44 م
  • الزيارات : 124
  •  

    بقلم: الطيب شيقوق
    المستشار القانوني /خبير قوانين أسواق المال

    يشكل الإعلان عن إنشاء منصة مركزية موحدة لدمج البنوك والمدفوعات الإلكترونية أكثر من مجرد مشروع لتطوير الخدمات المصرفية، فهو يمثل تحولًا استراتيجيًا في البنية التحتية للاقتصاد السوداني، وقد يكون حجر الأساس لبناء منظومة متكاملة لأسواق المال والسلع في البلاد.

    فالاقتصادات الحديثة لم تعد تقوم على المؤسسات المنفردة، وإنما على شبكات مترابطة تتبادل المعلومات والأموال بصورة لحظية وآمنة. وكلما ارتفعت درجة التكامل بين البنوك وأنظمة الدفع، ازدادت كفاءة الاقتصاد، وانخفضت تكلفة المعاملات، وتعززت ثقة المستثمرين.

    وتبرز أهمية هذه المنصة بصورة أوضح عند النظر إلى مستقبل الأسواق المنظمة في السودان. فإعادة تشغيل بورصة الخرطوم للأوراق المالية، وإنشاء بورصة للذهب، وبورصة للسلع الزراعية والمعدنية، ليست مجرد مشروعات مستقلة، بل تعتمد جميعها على وجود منظومة وطنية قادرة على تنفيذ وتسوية المدفوعات بين أطراف السوق بسرعة وكفاءة.

    ففي بورصة الأوراق المالية، سواء كان التداول في الأسهم أو الصكوك أو السندات أو غيرها من الأدوات المالية، لا تكفي منصة التداول وحدها، بل لا بد من وجود نظام يضمن انتقال قيمة الصفقة من حساب المشتري إلى حساب البائع في الوقت ذاته الذي تنتقل فيه ملكية الورقة المالية. وكلما كانت هذه العملية أسرع وأكثر أمانًا، زادت ثقة المستثمرين، وارتفعت السيولة، وتحسن أداء السوق.

    أما في بورصة الذهب، فإن وجود منصة وطنية موحدة للمدفوعات يساعد على تسوية الصفقات الكبيرة بصورة فورية، ويحد من الاعتماد على النقد، ويعزز الشفافية، ويضيق الخناق على التهريب والتعاملات خارج الإطار الرسمي.

    وفي بورصة السلع، تصبح سرعة انتقال الأموال بين المنتجين والتجار والمصدرين عنصرًا أساسيًا في نجاح السوق، لأنها تخفض تكلفة التعاملات، وتحسن دورة رأس المال، وتدعم انسياب التجارة.

    ومن الناحية المؤسسية، فإن هذه المنصة تمثل أحد أهم مكونات البنية التحتية للأسواق المالية (Financial Market Infrastructure – FMI)، التي تقوم عليها جميع الأسواق المتقدمة. فهي لا تعمل بمعزل عن أنظمة المقاصة والإيداع المركزي وإدارة المخاطر، بل تتكامل معها لتكوين منظومة واحدة تحقق الكفاءة والسرعة والأمان.

    كما تمهد هذه المنصة لتطبيق مبدأ التسليم مقابل الدفع (Delivery versus Payment – DVP)، بحيث لا تنتقل ملكية الأسهم أو الصكوك أو الذهب أو السلع إلا بعد انتقال قيمتها المالية، وهو المعيار الذي تقوم عليه الأسواق المالية الحديثة، لأنه يقلل مخاطر التسوية ويحمي جميع أطراف التعامل.

    إن السودان يمتلك مقومات تؤهله ليكون مركزًا إقليميًا لتجارة الذهب والسلع ولجذب الاستثمارات في سوق رأس المال، لكن هذه المقومات لن تحقق أهدافها ما لم تُدعَم ببنية تحتية مالية متطورة ومتكاملة. ومن هنا، فإن المنصة المركزية الموحدة ليست مشروعًا مصرفيًا فحسب، بل هي استثمار في مستقبل الاقتصاد الوطني.

    إن نجاح هذه المنصة ينبغي أن يكون مقدمة لربط جميع مكونات القطاع المالي في السودان: البنوك، وبورصة الأوراق المالية، وبورصة الذهب، وبورصة السلع، وشركات الوساطة، والإيداع المركزي، وغرف المقاصة، والجهات الرقابية، ضمن منظومة رقمية واحدة تعمل بكفاءة وشفافية.

    فعندما تتكامل هذه الحلقات، لن يكون السودان قد أنشأ منصة للمدفوعات فحسب، بل سيكون قد وضع الأساس الحقيقي لاقتصاد رقمي حديث، ولسوق مالية متطورة، قادرة على تعبئة المدخرات، وجذب رؤوس الأموال، وتحويل الثروات الوطنية إلى تنمية مستدامة.