الأمن القومي بوصفه مشروع بناء لا مجرد وظيفة عسكرية

  • بتاريخ : 2 يوليو، 2026 - 8:11 ص
  • الزيارات : 19
  • د. حيدر معتصم مدني
    إشراف: مركز الخرطوم للحوار
    من أكثر المفاهيم التي تعرضت للاختزال في الوعي السياسي السوداني مفهوم:
    الأمن القومي .
    حتى أصبح عند كثير من الناس مرتبطًا فقط بـ:
    الجيوش،
    والحروب،
    والأجهزة الأمنية،
    وحماية الحدود.
    ورغم أهمية هذه الجوانب، إلا أن اختزال الأمن القومي فيها وحدها يُفقد الدولة القدرة على فهم:
    مصادر القوة الحقيقية…
    ومصادر التهديد الحقيقية أيضًا.
    لأن الأمن القومي في معناه العميق ليس مجرد:
    حالة عسكرية،
    بل هو:
    حالة توازن واستقرار وقدرة شاملة تضمن بقاء الدولة والمجتمع واستمرار مشروعهما الوطني.
    أي أن الأمن القومي لا يبدأ من البندقية فقط…
    بل يبدأ من:
    الإنسان،
    والمجتمع،
    والهوية،
    والاقتصاد،
    والسيادة،
    والمرجعية الوطنية المشتركة.
    ولهذا فإن الدول المستقرة لا تبني أمنها القومي فقط عبر:
    التسلح،
    أو التحالفات العسكرية،
    بل تبنيه أيضًا عبر:
    التعليم،
    والاقتصاد،
    والتماسك الاجتماعي،
    والهوية الوطنية،
    والعدالة،
    وقوة المؤسسات،
    والقدرة على إنتاج مشروع وطني جامع.
    ومن هنا فإن أخطر تهديدات الأمن القومي ليست دائمًا:
    الجيوش الخارجية.
    بل قد تكون:
    الانقسام الداخلي،
    أو انهيار الثقة الوطنية،
    أو تفكك المجتمع،
    أو ضعف الهوية الجامعة،
    أو الارتهان للخارج،
    أو غياب الدولة نفسها.
    وهذا ما يجعل مفهوم:
    “الأمن القومي الشامل”
    ضروريًا لفهم الأزمة السودانية.
    لأن السودان لم يواجه فقط:
    تهديدات عسكرية،
    بل واجه أيضًا:
    أزمات هوية،
    وتفككًا اجتماعيًا،
    واستقطابًا سياسيًا،
    وانهيارًا اقتصاديًا،
    وصراعًا على المرجعية الوطنية.
    أي أن الأزمة تجاوزت:
    حدود الأمن العسكري التقليدي.
    ولهذا فإن بناء الأمن القومي السوداني لا يمكن أن يقتصر على:
    إعادة بناء الجيش،
    أو إصلاح الأجهزة الأمنية،
    أو حماية الحدود فقط.
    بل يحتاج أيضًا إلى:
    إعادة بناء المجتمع نفسه.
    أي:
    بناء الثقة الوطنية،
    وحماية الهوية الجامعة،
    وتقوية المؤسسات،
    وبناء الاقتصاد،
    واستعادة السيادة الوطنية،
    وإنتاج مرجعية تعلو فوق الاستقطاب.
    لأن الدولة التي تفشل في:
    بناء مجتمع متماسك،
    لا تستطيع حماية نفسها مهما امتلكت من أدوات القوة العسكرية.
    ومن هنا فإن الجيش الوطني ـ رغم أهميته الكبرى ـ لا يستطيع وحده أن يحمل عبء:
    الأمن القومي.
    لأن الأمن القومي الحقيقي مسؤولية:
    الدولة كلها،
    والمجتمع كله،
    والمؤسسات كلها.
    ولهذا فإن الأمن القومي ليس نقيضًا:
    للديمقراطية،
    ولا للمجتمع المدني،
    ولا للحرية.
    بل على العكس.
    فالمجتمع الواعي والمنظم والمتماسك هو أحد أهم مصادر:
    القوة الوطنية.
    ومن أخطر ما حدث في السودان أن مفهوم الأمن القومي جرى أحيانًا:
    تسييسه،
    أو اختزاله،
    أو استخدامه داخل معارك السلطة.
    وهنا فقد معناه الاستراتيجي الحقيقي.
    لأن الأمن القومي لا ينبغي أن يتحول إلى:
    شعار حزبي،
    ولا إلى:
    أداة استقطاب سياسي،
    بل يجب أن يكون:
    إطارًا جامعًا يحمي وجود الدولة نفسها.
    ولهذا فإن المجتمعات المستقرة تضع:
    الأمن القومي،
    والسيادة،
    ووحدة الدولة،
    فوق التنافس الحزبي المباشر.
    لأن هذه ليست ملفات حكومة مؤقتة…
    بل ملفات:
    بقاء وطني طويل المدى.
    ومن هنا فإن السودان يحتاج إلى:
    إعادة تعريف شاملة لمفهوم الأمن القومي.
    تعريف يرى أن حماية الدولة تبدأ من:
    حماية المجتمع،
    وحماية الهوية الوطنية،
    وحماية الاقتصاد،
    وحماية القرار السيادي،
    وبناء الإنسان القادر على حمل مشروع الدولة.
    ولهذا فإن الأمن القومي الحقيقي لا يقوم فقط على:
    منع الخطر…
    بل يقوم أيضًا على:
    بناء القدرة.
    أي قدرة المجتمع والدولة على:
    الاستمرار،
    والتماسك،
    والتطور،
    ومواجهة الأزمات دون انهيار.
    ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط:
    كيف نحمي السودان من التهديدات الخارجية؟
    بل:
    كيف نبني دولة ومجتمعًا قادرين على الصمود من الداخل؟
    لأن الدول التي تتفكك داخليًا…
    تصبح حدودها مفتوحة،
    وسيادتها هشة،
    وقرارها الوطني قابلًا للاختراق.
    أما الدول التي تنجح في بناء:
    مجتمع قوي،
    وهوية مستقرة،
    ومؤسسات متماسكة،
    ومرجعية وطنية جامعة،
    فإن أمنها القومي يصبح أعمق من مجرد:
    القوة العسكرية.
    ولهذا فإن معركة السودان الحقيقية ليست فقط:
    معركة دفاع…
    بل أيضًا:
    معركة بناء.
    بناء:
    الدولة،
    والمجتمع،
    والهوية،
    والوعي،
    والمصلحة الوطنية المشتركة.
    لأن الأمن القومي في النهاية ليس مجرد:
    حماية وطن موجود…
    بل القدرة على:
    بناء وطن قابل للبقاء والاستمرار.