بقلم / م م الإمام عبد اللطيف الإمام
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾
صدق الله العظيم
ليس كل ما يحجب الحقيقة عن الإنسان يأتي من خارج نفسه، بل قد يكون أقرب إليه من أنفاسه. فهناك حجاب خفي لا تصنعه العيون، وإنما يصنعه القلب حين يألف صورته، ويطمئن إلى سلامة رأيه، ويستبعد أن يكون الخلل فيه.
وهنا تكمن النقطة العمياء؛ ذلك الموضع الذي تخفي فيه النفس عيوبها عن صاحبها، حتى يظن أنه يرى الحقيقة كاملة، بينما لا يرى إلا ما تسمح له نفسه أن يراه.
ولهذا كان القرآن الكريم يدعو إلى محاسبة النفس قبل محاسبة الآخرين، لأن من عرف نفسه سهل عليه إصلاحها، ومن جهلها عاش أسير أوهامه، يفتش عن الخطأ في كل مكان إلا في داخله.
قال الله تعالى:
﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾
غير أن هذه البصيرة لا تُشرق في قلب إمتلأ بالهوى، ولا في نفس إعتادت تبرير أخطائها، فحب الذات قد يعمي الإنسان عن عيوبه أكثر مما يعميه الظلام عن الطريق.
كم من متكبر يظن نفسه صاحب هيبة، وكم من قاسٍ يسمي قسوته حزمًا، وكم من فظٍّ يصف غلظته بالصراحة، وكم من معجب بنفسه يتحدث عن التواضع وهو أبعد الناس عنه.
إن الأسماء لا تغيّر الحقائق، وتجميل العيوب لا يحولها إلى فضائل.
ومن أخطر ما تفعله النفس أنها تجعل الإنسان يدافع عن خطئه بدل أن يعترف به، ويبحث عن الأعذار بدل أن يبحث عن العلاج، فيتحول الخطأ مع الأيام إلى جزء من شخصيته، وهو يظن أنه يحسن صنعًا.
ولذلك لم يكن أخوف ما يخشاه الصالحون الذنوب الظاهرة فحسب، بل كانوا يخافون العيوب الخفية التي تتسلل إلى القلوب في صمت، كالكبر، والعجب، والرياء، وحب المدح، والتعالي على الناس. فهذه أمراض لا يشعر بها صاحبها إلا إذا صدق مع نفسه، وأخلص في طلب النجاة.
ولكم أفسدت هذه النقاط العمياء من بيوت، وقطعت من أرحام، وأفسدت من صداقات، وأضعفت من أعمال صالحة، لأن أصحابها كانوا يرون المشكلة دائمًا في الآخرين، ولم يخطر ببالهم يومًا أن يبدأوا بأنفسهم.
إن الإنسان الذي يرفض النصيحة لا يحرم غيره من الكلام، وإنما يحرم نفسه من فرصة التصحيح. والذي يغضب من كل ناقد، قد يغلق على نفسه بابًا من أبواب الهداية.
ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: *”رحم الله إمرأً أهدى إليَّ عيوبي.”* لأنه أدرك أن من دلّك على عيبك قد قدّم لك هدية لا تُقدّر بثمن.
فاسأل نفسك بين حين وآخر:
• هل أبحث عن الحقيقة، أم عن ما يوافق هواي؟
• هل أفرح بمن يصحح لي، أم أضيق به لأنه كشف ما أخفيه عن نفسي؟
• هل أراجع مواقفي إذا تبين لي الصواب، أم أتشبث برأيي خوفًا على صورتي أمام الناس؟
إن هذه الأسئلة ليست لإضعاف الثقة بالنفس، وإنما لبناء نفسٍ صادقة تعرف قدرها، ولا تدّعي الكمال.
وأعلم أن أعظم رحلة في حياة الإنسان ليست التي يقطع فيها المسافات، بل التي يقطع فيها الحجب بينه وبين نفسه. فإذا سقطت حجب الغرور، وانكسر الكبر، وصدق القلب مع ربه، بدأت رحلة التزكية الحقيقية.
فلا تجعل إعجابك بنفسك يمنعك من رؤية عيوبك، ولا تجعل كثرة حديثك عن أخطاء الناس تنسيك أن أول من يحتاج إلى الإصلاح هو أنت.
فمن عرف عيوب نفسه، كان أقرب إلى التواضع، وأسرع إلى التوبة، وأرجى لقبول الله. أما من رأى نفسه كاملة، فقد أغلق بابًا عظيمًا من أبواب الهداية.
*إن بداية الإصلاح ليست أن تغيّر العالم من حولك، بل أن تزيل الحجاب الذي يحول بينك وبين رؤية نفسك كما هي… فهناك يبدأ التغيير، وهناك تولد الشخصية التي أرادها الله لعباده؛ صادقة، متواضعة، ومقبلة على إصلاح ذاتها قبل إصلاح غيرها*











إرسال تعليق