حين تتحول الدولة إلى ساحة صراع خارجي

  • بتاريخ : 1 يوليو، 2026 - 4:25 م
  • الزيارات : 27
  • السيادة الوطنية.. المفهوم الغائب

    د. حيدر معتصم مدني
    إشراف: مركز الخرطوم للحوار

    من أكثر المفاهيم التي تعرضت للتآكل في المجال السياسي السوداني مفهوم:
    السيادة الوطنية.
    حتى أصبح الحديث عن:
    التدخلات الخارجية،
    والوساطات،
    والمبادرات الدولية،
    والاصطفافات الإقليمية،
    يبدو أحيانًا وكأنه جزء طبيعي من إدارة الشأن الوطني.
    بينما الحقيقة الأعمق أن تضخم الدور الخارجي داخل أي دولة هو غالبًا:
    عرض لأزمة داخلية أعمق.
    لأن الدول التي تملك:
    مرجعية وطنية مستقرة،
    ومؤسسات قوية،
    وعقدًا اجتماعيًا واضحًا،
    لا تتحول بسهولة إلى:
    ساحات مفتوحة للصراع الخارجي.
    أما حين تضعف المرجعية الوطنية، أو تدخل الدولة في فراغ تأسيسي طويل، فإن القوى الخارجية تجد مساحة واسعة:
    للتأثير،
    والاختراق،
    وإعادة تشكيل المجال السياسي وفق مصالحها.
    وهذا ما حدث في السودان بدرجات متفاوتة عبر عقود طويلة.
    لكن المشكلة ليست فقط في وجود التدخل الخارجي.
    فكل الدول تتأثر بعلاقات القوة الدولية والإقليمية.
    وإنما المشكلة الحقيقية تبدأ حين تفقد الدولة قدرتها على:
    تعريف مصالحها الوطنية بنفسها.
    وهنا تصبح السياسة الخارجية امتدادًا:
    للانقسام الداخلي،
    لا تعبيرًا عن مشروع وطني موحد.
    ومن أخطر نتائج ذلك أن القوى السياسية نفسها تبدأ في:
    البحث عن الشرعية خارج الحدود،
    أو الاحتماء بالمحاور الإقليمية،
    أو استدعاء الدعم الدولي في معارك الداخل.
    وهنا تتآكل السيادة تدريجيًا.
    لأن الدولة التي لا تنتج:
    مرجعية وطنية مستقلة،
    تتحول بالضرورة إلى:
    ميدان لمشاريع الآخرين.
    ولهذا فإن جزءًا كبيرًا من الأزمة السودانية لا يتعلق فقط بالصراع الداخلي…
    بل أيضًا بفشل النخب في بناء:
    مفهوم وطني للمصلحة العليا.
    أي أن السودان كثيرًا ما دخل علاقاته الخارجية لا باعتباره:
    دولة تعرف ما تريد،
    بل باعتباره:
    ساحة تتنازعها مشاريع متعارضة.
    ومن هنا يمكن فهم لماذا تبدو كثير من المبادرات الخارجية تجاه السودان وكأنها:
    إدارة للأزمة…
    لا حلًا لها.
    لأن القوى الدولية والإقليمية تتحرك غالبًا وفق:
    مصالحها،
    لا وفق احتياجات بناء الدولة السودانية.
    وهذا أمر طبيعي في السياسة الدولية.
    لكن المشكلة تصبح أكثر خطورة حين تعجز النخب الوطنية عن:
    إنتاج مشروع سيادي مستقل يحدد:
    ما الذي يريده السودان أصلًا؟
    ولهذا فإن السيادة الوطنية ليست مجرد:
    شعار عاطفي،
    ولا مجرد حدود جغرافية،
    ولا مجرد علم ونشيد وطني.
    بل هي:
    قدرة الدولة والمجتمع على تعريف:
    المصلحة الوطنية العليا،
    واتخاذ القرار الوطني بصورة مستقلة،
    وحماية المجال الوطني من التحول إلى أداة داخل مشاريع الآخرين.
    ومن هنا فإن السيادة ترتبط مباشرة بـ:
    الأمن القومي.
    لكن الأمن القومي ليس مجرد:
    قوة عسكرية،
    أو أجهزة أمنية،
    أو حماية حدود.
    بل هو مفهوم أشمل يتعلق بـ:
    حماية:
    الهوية،
    والمجتمع،
    والموارد،
    والقرار الوطني،
    ووحدة الدولة،
    والاستقرار الداخلي.
    أي أن الأمن القومي الحقيقي يبدأ من:
    تماسك الداخل.
    لأن الدول المنقسمة داخليًا تصبح أكثر قابلية:
    للاختراق الخارجي.
    ولهذا فإن السودان لا يستطيع بناء سيادته فقط عبر:
    التحالفات،
    أو التوازنات الإقليمية،
    أو الشعارات السياسية.
    بل يحتاج أولًا إلى:
    بناء دولة مستقرة المرجعية.
    دولة تعرف:
    من هي،
    وما هي مصالحها،
    وما الذي يجب أن يبقى فوق الصراع السياسي.
    ومن أخطر ما حدث في السودان أيضًا أن بعض القوى السياسية تعاملت مع الخارج باعتباره:
    امتدادًا لمعركتها الداخلية.
    فأصبح الاستقواء بالخارج جزءًا من إدارة الصراع الوطني نفسه.
    وهنا لم يعد الخارج مجرد:
    فاعل مؤثر…
    بل أصبح أحيانًا:
    شريكًا في تشكيل المجال السياسي الداخلي.
    ولهذا فإن استعادة السيادة الوطنية لا تبدأ فقط برفض التدخلات الخارجية…
    بل تبدأ أولًا بـ:
    إعادة بناء الداخل.
    أي:
    بناء المرجعية الوطنية،
    والثقة المجتمعية،
    والمؤسسات المستقرة،
    والوعي بالمصلحة الوطنية العليا.
    لأن الدولة التي لا تملك:
    مشروعًا وطنيًا واضحًا،
    تتحول بسهولة إلى:
    مسرح لمشاريع الآخرين.
    ومن هنا فإن السودان لا يحتاج فقط إلى:
    سياسة خارجية جديدة…
    بل يحتاج قبل ذلك إلى:
    وعي جديد بمعنى السيادة نفسها.
    وعي يدرك أن:
    الاستقلال الحقيقي لا يعني العزلة…
    لكنه يعني:
    أن تتحرك الدولة داخل العالم وهي تعرف:
    من هي،
    وما الذي تريده،
    وما الذي لا ينبغي أن يصبح موضوعًا للمساومة أو الابتزاز أو التبعية.
    ولهذا فإن معركة السودان الحقيقية ليست فقط:
    كيف نوقف التدخلات الخارجية؟
    بل:
    كيف نبني دولة تجعل التدخل الخارجي أقل قدرة على التحكم في مصيرها؟
    لأن السيادة لا تُحمى فقط بالبندقية…
    بل تُحمى أيضًا:
    بوجود مجتمع متماسك،
    ودولة مستقرة،
    ومرجعية وطنية تعلو فوق الانقسامات المؤقتة.
    وحين يفشل الداخل في إنتاج هذا التماسك…
    يصبح الخارج جزءًا دائمًا من معادلة الأزمة الوطنية.